أبي منصور الماتريدي
368
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 38 إلى 41 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 38 ) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 40 ) انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) ألا ترى أنه قال في الآية التي تتلو هذه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ، قال بعضهم : الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك « 1 » ؛ كقوله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . . . [ التوبة : 101 ] الآية ، فيفهم ذكر ذلك الوعيد .
--> ( 1 ) تبوك - بفتح الفوقية وضم الموحدة - : وهي أقصى أثر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهي في طرف الشام من جهة القبلة ، وبينها وبين المدينة المشرفة اثنتا عشرة مرحلة . قال في النور : وكذا قالوا ، وقد سرناها مع الحجيج في اثنتي عشرة مرحلة ، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة . والمشهور ترك صرفها للعلمية والتأنيث . وفي حديث كعب السابق : ولم يذكروني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حتى بلغ تبوكا ، كذا في جميع النسخ في صحيح البخاري وأكثر نسخ صحيح مسلم تغليبا للموضع ، وكذا قال النووي والحافظ وجمع . قال في التقريب : وهو سهو ؛ لأن علة منعه كونه على مثال الفعل ( تقول ) فالمذكر والمؤنث في ذلك سواء . قال في الروض تبعا لابن قتيبة : سميت الغزوة بعين تبوك ، وهي العين التي أمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ألا يمسوا من مائها شيئا فسبق إليها رجلان ، وهي تبض بشيء من ماء فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها ، فسبهما رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وقال لهما رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ما زلتما تبوكانها منذ اليوم » ؛ فلذلك سميت العين تبوك . البوك كالنقش والحفر في الشيء ، ويقال منه : باك الحمار الأتان يبوكها : إذا نزا عليها . قال الحافظ : وقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة : « إنكم ستأتون غدا عين تبوك » . رواه مالك ومسلم . قلت : صريح الحديث دال على أن تبوك اسم على ذلك الموضع الذي فيه العين المذكورة . والنبي صلى اللّه عليه وسلم قال هذا القول قبل أن يصل تبوك بيوم . وذكرها في المحكم في الثلاثي الصحيح ، وذكرها ابن قتيبة والجوهري وابن الأثير وغيرهم في المعتل في بوك . وعن الذين تخلفوا في هذه الغزوة : قال ابن عقبة - رحمه الله تعالى - : وتخلف المنافقون ، وحدثوا أنفسهم أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لا يرجع إليهم أبدا ، فاعتذروا . وتخلف رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر ، منهم السقيم والمعسر . قال محمد بن عمر : وجاء ناس من المنافقين إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ليستأذنوه في القعود من غير علة ، فأذن لهم ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا . وروى ابن مردويه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - : استدار برسول الله صلى اللّه عليه وسلم رجال من -