أبي منصور الماتريدي
354
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم الترك على قبول الجزية جائز ، وإن كان الأمر قد تقدم بالقتل من غير أن يكون دليل ، إما لأجل ذلك المال نقاتل ، كما كتب على كل نفس الموت . ثم قد يتركون على ما هم عليه من اختلاف الأديان وتفرق الأهواء ، وإن كان لا يدل ذلك على الإقرار بما هم عليه ، والرضا بما اختاروا ، فمثله في الأول لا يدل على الرضا بكفرهم ، ولا على القتال لأخذ تلك الأموال منهم . ثم الأصل أن القتال لم يجعل ليكون [ القتل ] « 1 » عقوبة للكفر ؛ إذ نوع القتل ومعناه قد يوجد في الأخيار والأشرار جميعا ، وهو الموت ثبت أنه لم يجعل لذلك ، ولكن لوجهين : أن يضطرهم إلى الإجابة على ما فيه نجاتهم وبه نيل كرامة الأبد ، وكان ذلك بعد أن ألزمناهم كل أنواع الحجج ، فلم يقنعهم ، قاتلناهم بما كان الذي يمنعهم عن النظر في الحجج حب اللذات وألذها الحياة ، قاتلنا حتى ييأسوا « 2 » عن تلك اللذة المانعة عن النظر في الحجج ، والصادة عن الإجابة فتزول عنهم . وفي قبول الجزية - قيل - بعض الذل والصغار الذي تنفر عنه الطباع ، ويدعو إلى ما فيه الزوال ، فينظرون في الحجج ، ويقبلون ما دعوا إليه ؛ فتكون به نجاتهم ، وزيادة لنا في الكرامة . والثاني : [ أن ] « 3 » المحن كلها منقسمة على الحسنات والسيئات ، والخيرات والشرور ؛ ولذلك جعل الموت والحياة ، وعلى ذلك جميع أمور الدنيا هو التقلب على مختلف الأحوال ، فمثله الدعاء إلى الإسلام يكون مرة بمحاجة إليه ، ومرة باللسان ، ومرة بالترك ، لا أن جعل شيء من ذلك لشيء ، ولكن بما عليه أمر المحن ؛ ليتذكر به وجود [ الموعود بالآثار له في أحوال المحن ، فعلى هذا أمر القتال في قوم ، والعفو عن قوم ، والدعاء إلى الإسلام في قوم ، وإلى قبول ] « 4 » الذل في قوم على ما في علم الله من المصلحة ، وعلى ما عليه حق الحكمة . ثم الفرق بين مشركي العرب وغيرهم يخرج على وجوه : أحدها : أنهم قد كانوا أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ، فجاءهم ، فكذبوه ، ثم أقسموا لئن جاءهم نذير ليؤمنن به ، فجاءتهم آيات
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : يأنسوا . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في أ .