أبي منصور الماتريدي

341

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ . يحتمل قوله : يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، أي : يقبلوها ، لا على الإعطاء نفسه ، وهو ما ذكرنا في قوله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ [ التوبة : 5 ] هو على القبول لها ، لا على الفعل نفسه . ويحتمل : نفس الإعطاء ، وهو - والله أعلم - لما جعلت الجزية لحقن الدماء ، فتقدم ؛ لتحقن بها الدماء . وقوله : عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ قال بعضهم : عَنْ يَدٍ ، أي : لا يؤخر قبضها عن وقت قبولها ؛ بل تؤخذ يدا بيد ، [ وقال بعضهم : عن يد ] « 1 » أي : عن قهر وغلبة . وقيل : عَنْ يَدٍ ، أي : عن طوع وطيب . وقيل : عن جماعتهم . لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة . وقوله : صاغِرُونَ قيل « 2 » : ذليلون ، وهو من الذل ؛ يقال : صغر الرجل يصغر صغارا ، فهو صاغر ، أي : ذل ؛ فهو ذليل . وقيل : صاغِرُونَ [ أي ] « 3 » : مذمومون . وعن ابن عباس - رضي الله عنه - : يمشون بها متبلين « 4 » . وأصله : الذلة ، وهو الخضوع - والله أعلم - الذلة التي ذكر الله في قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا [ آل عمران : 112 ] ، فإذا قبلوا ذلك ، فقد أذعنوا بالذل والصغار . وقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . . الآية ، أما اليهود والنصارى : فلا خلاف بين أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية ، أخذت منه وأقر على دينه . وأمّا المجوس : فإنه تؤخذ منهم الجزية ؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : ما أدري ما أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين ، ولا من أهل الكتاب قال عبد الرحمن بن عوف : أشهد أني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » « 5 » .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ذكره بمعناه ابن جرير ( 6 / 349 ) ، وكذا البغوي في تفسيره ( 2 / 282 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : متلبين . ( 5 ) أخرجه مالك في الموطأ ( 1 / 278 ) في كتاب الزكاة باب جزية أهل الكتاب والمجوس ( 42 ) ، والشافعي ( 1182 ) ، والبيهقي ( 9 / 189 ) وابن أبي شيبة في المصنف ( 3 / 224 ، 12 / 243 ) ، وعبد الرزاق في المصنف ( 10025 ) ، والطبراني في الكبير ( 19 / 437 ) وذكره الهيثمي في المجمع ( 6 / 13 ) وقال : رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه .