أبي منصور الماتريدي
336
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والثالث : على البشارة ؛ أي : إذا قلتم لهم ذلك فلا يقربوا بعد ذلك . وقوله : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أي : أفعال المشركين نجس ، والعبادات التي يأتون فيها نجس ، وهو ما ذكر حيث قال : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ المائدة : 90 ] ، صير عمل الشيطان رجسا ؛ فعلى ذلك العبادات التي يقيمونها نجسة ، فالنهي عن الحج نهي عن إقامة العبادات لغير الله ؛ لأن تلك البقعة نزهت عن إقامة العبادة لغير الله . ثم اختلف في قوله : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ قال بعضهم « 1 » : هو نجس الأفعال . وقال بعضهم « 2 » : هو نجس الأحوال . والأشبه أن يكون نجس الأفعال ؛ لأن قوله : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ يخرج مخرج الذم ، ولا يحتمل أن يذموا ويشتموا بنجاسة الأحوال ؛ دل أنه إنما لحقهم ذلك الذم بما اكتسبوا من الأفعال الذميمة ، وهو كقوله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ المائدة : 90 ] رجس نجس ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ، أي : نجسة الأفعال ؛ لأن ذلك من كسبهم ، فاستوجبوا « 3 » المذمة لكسبهم ، وأما الأحوال فلا صنع لهم فيها . وقوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . قيل : خافوا من العيلة لما نفي المشركون من مكة ؛ لأن معايش أهل مكة إنما كانت من الآفاق ، وبأهل الآفاق كانت « 4 » سعتهم وتجارتهم ، لكن الله وعدهم السعة والغنى « 5 » بقوله : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ ، قال بعضهم : دل قوله : إِنْ شاءَ على أنه إنما وعدهم الإغناء في بعض الأوقات . وقال بعضهم : قوله : إِنْ شاءَ كان من رسول الله ؛ لأنه أمر رسوله أن يعدهم الإغناء ، وهو مأمور أن يستثني في جميع ما يعده ؛ بقوله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 ، 24 ] . ويحتمل أن يكون قوله : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ : بهؤلاء الذين نفوا
--> ( 1 ) انظر : تفسير الخازن والبغوي ( 3 / 100 ) . ( 2 ) انظر : تفسير الخازن والبغوي ( 3 / 100 ) . ( 3 ) في أ : فليستوجبوا . ( 4 ) في ب : كان . ( 5 ) في أ : الغناء .