أبي منصور الماتريدي

32

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال الحسن : إن موسى سأل ربه الرؤية في غير وقت الرؤية ، وهو يقر بالرؤية ، لكنه يقول : سألها في الدنيا وبنية هذا العالم لا تحتمل ذلك . ألا ترى أنه قال : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ، أخبر أن الجبل لا يستقر له ، فكيف تستقر أنت ؟ لكنه ينشئ بنية تحتمل ذلك . وقال الحسن « 1 » : لذلك قال موسى : إني تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أن ليس في الدنيا الرؤية ، إلى نحو هذا يذهب الحسن ، وقد ذكرنا نحن الوجه على قدر ما حضر لنا . وقال أهل التأويل : قوله : تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ، أي : ظهر ، لكن لا يفهم من ظهوره ما يفهم من ظهور الخلق على ما ذكرنا في قوله : اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف : 54 ] وقوله : وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] [ وغيرهما ] « 2 » من الآيات ، لا يقدر استواؤه باستواء الخلق ، وكذلك مجيئه ، فعلى ذلك ظهوره ، وبالله العصمة . وروي أن في التوراة « أنه جاء من طور سيناء « 3 » ، وظهر من جبل ساعور واطلع من جبل فاران » « 4 » وتأويله جاء وحيه « 5 »

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 55 - 56 ) ( 15102 ، 15103 ) عن أبي العالية ، ( 15104 ، 15105 ) عن ابن عباس بنحوه . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 223 ) وزاد نسبته لابن المنذر عن ابن عباس ولعبد بن حميد وأبي الشيخ عن أبي العالية . ( 2 ) في ب : وغيره . ( 3 ) الطور : جبل بيت المقدس ، ممتد ما بين مصر وأيلة ، سمي بطور بن إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - وهو الذي نودي منه موسى ، قال تعالى : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا [ القصص : 46 ] وهو طور سيناء ، قال الله سبحانه : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ [ المؤمنون : 20 ] . وقال في موضع آخر من كتابه : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ [ التين : 1 - 2 ] ومعناهما واحد . روي عن ابن عباس ومجاهد أن معناه : جبل مبارك . وقال قتادة وعكرمة : معناه : حسن . قالا : وهي لغة الحبش ، يقولون للشيء الحسن : سينا سينا . وقال معمر عن ابن الكلبي ومحمد بن ثور : معناهما : جبل ذو شجر . قال بعض اللغويين : لو كان المعنى ما روي عن هؤلاء ، لكان « الطور » منونا ، وكان قوله : « سيناء » من نعته ، وإنما سيناء اسم أضيف إليه « الطور » ، يعرف به كما يقال : جبلا طيئ . وقال ابن أبي نجيح : الطور : الجبل . وسيناء : الحجارة ، أضيف إليها . قال إبراهيم بن السري : وتفتح السين من « سينا » ، فيقال : سيناء ، على وزن صحراء ، وليس في الكلام على وزن « فعلاء » بالكسر والألف للتأنيث إنما يكون للإلحاق ، نحو « علباء » ، إلا « سيناء » هنا : اسم للبقعة ، ولا تنصرف . ينظر : معجم ما استعجم ( 3 / 897 - 898 ) . ( 4 ) قال في المراصد : ساعير في التوراة : اسم لجبال فلسطين ، وهي قرية من الناصرة ، بين عكا وطبرية . وفاران : مذكور في التوراة في قوله تعالى : جاء الله من سيناء ، وأشرف من ساعير ، واستعلن من فاران . فساعير : جبال فلسطين ، وهو إنزاله الإنجيل على عيسى . وفاران : مكة أو جبالها على ما تشهد به التوراة . واستعلانه منها : إنزاله القرآن على رسوله -