أبي منصور الماتريدي
296
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فأما حديث عمرو بن حزم : فهو حكاية عن كتاب ، وليس فيه بيان عن يوم الحج الأكبر ، إنما يذكر فيه الحج الأصغر ، ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال : يوم عرفة [ هو ] « 1 » يوم الحج الأكبر ؛ لأنه يقضى فيه فرض الحج وهو الوقوف ، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج ، وجاز أن يقال : هو يوم النحر ؛ لأنه فيه يقضى طواف الزيارة « 2 » ، وهو فرض ويقضى فيه أكبر مناسك الحج ؛ بل يوم النحر أولى أن يكون يوم الحج الأكبر ؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضا من فرائض الحج ، وهو الوقوف ، ويقضي في يوم النحر فرضا آخر من فرائضه ، وهو طواف الزيارة ، ويقضي مع ذلك [ أكثر ] « 3 » مناسك الحج ، فقد استوى هذان اليومان في أنه يقضى في كل واحد منهما فرض من فرائض الحج ، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم النحر من مناسك الحج ، ولا يفعل في يوم عرفة شيئا من النسك إلا الوقوف بعرفة . واحتج بعض الناس بفرضية العمرة « 4 » بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) طواف الزيارة يؤديه الحاج بعد أن يفيض من عرفة ويبيت بالمزدلفة ، ويأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر ويحلق ، ثم بعد ذلك يفيض من مكة فيطوف بالبيت ، سمي طواف الزيارة ؛ لأن الحاج يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة بل يرجع ليبيت بمنى ، ويسمى أيضا طواف الإفاضة ؛ لأن الحاج يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة ، وعدد أشواط الطواف سبعة ، وكلها ركن عند الجمهور ، وقال الحنفية : الركن أكثر السبعة ، والباقي واجب ينجبر بالدم ، ويجب المشي في الطواف على القادر عليه عند الجمهور ، وهو سنة عند الشافعية ، ويسن الرمل والاضطباع في الطواف إذا كان سيسعى بعده وإلا فلا يسن . ويصلّي بعد الطواف ركعتين وجوبا عند الجمهور وسنة عند الشافعية . ينظر : بدائع الصنائع ( 2 / 128 ) ، والمسلك المتقسط ( ص 98 ، 99 ) ، والمهذب ( 8 / 16 ) ، والإيضاح ( ص 251 ، 252 ) ، ونهاية المحتاج ( 2 / 409 ، 414 ، 416 ) ، ومغني المحتاج ( 1 / 487 ، 492 ) ، والمغني ( 3 / 441 - 443 ) ، والفروع ( 3 / 499 - 501 ) . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) اختلف العلماء في حكم العمرة ؛ فقال الشافعي في القديم : هي سنة ليست بفرض ، وبه قال مالك ، وقال أبو حنيفة : هي تطوع ، وحجتهم الأحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعديد فرائض الإسلام من غير أن يذكر منها العمرة ، مثل حديث ابن عمر : « بنى الإسلام على خمس » فذكر الحج مفردا ، ومثل حديث السائل عن الإسلام ، فإن في بعض طرقه : « وأن يحج البيت » ، وربما قالوا : إن الأمر بالإتمام في الآية ، ليس يقتضي الوجوب ؛ لأن هذا يخص السنن والفرائض ، أعني إذا شرع فيها أن تتم ولا تقطع ، واحتج هؤلاء أيضا - أعني من قال إنها سنة - بآثار ، منها : حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي ؟ قال : « لا وأن تعتمر خير لك » ، وقد ضعف النووي هذا الحديث وبين وجه ضعفه . وقال الصنعاني : الراجح وقفه على جابر ، فإنه الذي سأله الأعرابي ، وأجاب عنه وهو مما للاجتهاد فيه مسرح . وقد جزم بوجوب العمرة جماعة من أهل الحديث وهو المشهور عن الشافعي في الجديد وأحمد وداود وابن حزم ، فمن أوجبها ، احتج بقوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [ البقرة : 196 ] وبآثار مروية منها : ما روي عن ابن عمر عن أبيه قال : دخل أعرابي حسن الوجه أبيض الثياب يسأله -