أبي منصور الماتريدي
290
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لكن يحتمل أنه ولّى ذلك عليّا ؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهدا أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم ، فولى ذلك عليّا ؛ لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه فيقولون : لم ينقض علينا العهد . أو أن يقال : ولى عليّا أمر الحرب ، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر ، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك ، فكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات ، وعلي أمر الحروب ، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات . أو أن يقال : إن أبا بكر كان أمير الموسم ، وعليّا كان مناديه ، فالأمير في شاهدنا أجل قدرا وأعظم منزلة من المنادي ، وأمر عليّا ذلك ؛ لما أن ذلك كان « 1 » أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً « قال بعضهم : هذا صلة قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ . أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين ، ولا ظاهروا عليهم أحدا ، وأما الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكثه فإنه لا يتم لهم ، ولكن ينقض ، وكذلك تأولوا قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : النقض « 2 » . ويحتمل أن يكون صلة قوله : وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ، ويكون العذاب الأليم هو القتل والأسر ؛ كأنه يقول : وبشر الذين كفروا بالقتل والأسر إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً . ثم يحتمل قوله : لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً أي : لم يخونوكم شيئا ما داموا في العهد ، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً أي : لم يعاونوا ولا أطلعوا أحدا من المشركين عليكم ، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ؛ كقوله : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [ الأنفال : 58 ] أمر بالنبذ إليهم عند خوف الخيانة ، وأمر بالإتمام إذا لم يخونوا ولم
--> - ومنهم من يقول : إن هذه الأدلة إنما اقتضت تعيين علي بالوصف لا بالشخص ، والناس مقصرون حيث لم يضعوا الوصف موضعه ، وهؤلاء هم الزيدية ، ولا يتبرءون من الشيخين ، ولا يغمصون في إمامتهما مع قولهم بأن عليا أفضل منهما لكنهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل . ينظر الخلافة الإسلامية لمحمد مصطفى شاهين ، وينظر تاج العروس ( 6 / 100 ) ، وعبد الفتاح الجوهري . ( 1 ) في ب : أن كان . ( 2 ) انظر : تفسير الخازن والبغوي ( 3 / 73 ) .