أبي منصور الماتريدي

276

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحدها « 1 » : أن إخوانكم الذين لم يهاجروا إذا استنصروكم على عدوهم فلم تنصروهم ، تكون فتنة في الأرض وفساد كبير ، أي : إن لم تكونوا بعضكم أعوانا وأنصارا لبعض ، على ما كان أهل الكفر بعضهم أنصارا لبعض غلبكم « 2 » العدو وقهركم ، فيكون في ذلك فتنة وفساد ، ويكون كقوله : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ . وقال بعضهم « 3 » : قوله : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ ملحق بقوله : إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ، أي : إذا « 4 » استنصركم إخوانكم على قوم بينكم وبينهم ميثاق « 5 » فنصرتموهم ، تكن فتنة وفساد كبير . وقال بعضهم « 6 » : قوله : إِلَّا تَفْعَلُوهُ فيما أمركم به من جعل التوارث فيما بين المؤمنين ، وجعلتم الميراث والتوارث فيما بينكم وبين الكفار تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ؛ لأن الله - عزّ وجل - ذكر المواريث ، ثم ذكر في آخر الآية : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ النساء : 13 ] ، وما ذكر من ترك حدود الله ، وطاعة رسوله ، وجعل الميراث في غير ما أمر - عزّ وجل - تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا . أي : ضموا رسول الله والمهاجرين ونصروهم . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا . أي : المهاجرون والأنصار الذين ضموا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ؛ لما حققوا إيمانهم بأعمالهم ؛ لأنهم هاجروا من بلادهم وأهلهم وأموالهم ؛ إشفاقا على دينهم ، واستسلاما له ، وأجابوا رسول الله وأطاعوه في ذلك ، وأولئك الأنصار ضموهم إلى أنفسهم وأنزلوهم في منازلهم ، وبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم ، ونصروهم على عدوهم ، فقد حققوا جميعا إيمانهم بأعمالهم التي عملوا . ويحتمل قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي : صدقا في السر والعلانية ، ليس كإيمان

--> ( 1 ) وهذا أولى هذه الأقوال ؛ لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على الشرك كان الشرك ظاهرا ، والفساد زائدا في الاعتقادات والأعمال ، والله أعلم . ( 2 ) في أ : عليكم . ( 3 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 6 / 298 ) ( 16362 ) ، وكذا ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 264 ) . ( 4 ) في أ : أي إن . ( 5 ) في أ : عهد . ( 6 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 298 ) ( 16363 ) عن ابن عباس بنحوه ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 373 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم .