أبي منصور الماتريدي

260

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

عملتم « 1 » . ثم قالت المعتزلة : في قوله : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ دلالة على أن الله لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعصية ؛ لأنه أخبر أنهم أرادوا عرض الدنيا ، وهو يريد الآخرة ، فهم أرادوا المعصية ، وهو يريد لهم الآخرة . ولكن التأويل عندنا أن قوله : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، أي : تريدون عرض الدنيا ، والله يريد حياة الآخرة وعرضها . وبعد ، فإنه قد كان الله أراد لهم الآخرة وحياتها ، وهم أرادوا العير وعرض الدنيا ، وقد كان ما أراد الله لهم لا ما أرادوا هم ، أي : اختار لهم غير ما اختاروا هم . وأصله أن الله - عزّ وجل - أراد الآخرة لأهل بدر ، فكان ما أراد ، ولأولئك الكفرة النار ، فكان ما أراد ؛ كقوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ [ آل عمران : 176 ] . والأشبه أن تكون الإرادة - هاهنا - المودة والمحبة ، أي : تودون وتحبون عرض الدنيا ، والله يريد الآخرة ، وهو ما ذكر في آية أخرى ؛ حيث قال : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [ الأنفال : 7 ] ، كانوا يودون أن القتال مع غير ذات الشوكة ؛ حتى تكون لهم الغنائم . والإرادة التي تضاف إلى الله تخرج على وجوه ثلاثة : أحدها : الرضا ؛ كقوله : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [ الأنعام : 148 ] ، كانوا يستدلون بتركه إياهم على أن الله قد رضي بصنيعهم . والثاني : الإرادة : الأمر ؛ كقوله : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 28 ] . والثالث : الإرادة هي صفة فعل كل فاعل يخرج فعله على غير سهو وغفلة ولا طبع ؛ بل يخرج على الاختيار .

--> - من هذه الصفة فلا تحل الفتيا فيه لمن لم يلح له وجهة ؛ إذ لا شك أن عند غيرنا بيان ما جهلناه ، كما أن عندنا بيان كثير مما جهله غيرنا ولم يعر بشر من نقص أو نسيان أو غفلة . وقال أيضا : إن المجتهدين قسمان ، إما مصيب مأجور مرتين ، وإما مخطئ ، والمخطئ قسمان : مخطئ معذور مأجور مرة ، وهو الذي أداه اجتهاده إلى أنه على حق عنده ، ومخطئ غير معذور ولا مأجور ولكن في جناح وإثم ، وهو من تعمد القول بما صح عنده الخطأ فيه ، أو بما لم يقم عنده دليل باجتهاده على أنه حق عنده . ينظر : شرح التوضيح ( 2 / 117 ) ، والإحكام لابن حزم ( 8 / 136 ) . ( 1 ) في أ : أعلمتم .