أبي منصور الماتريدي

241

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ذلك غير الله ما بهم من النعمة ، وكذلك قال ابن عباس « 1 » : نعمة من النعم إن تولوا عن شكرها ، غير الله عليهم وأخذها منهم . والثاني : يحتمل النعمة الدينية ، وهو تكذيبهم الرسل وردهم الكتب بعد ما أقسموا أنهم يكونون أهدى من إحدى الأمم ، واختيارهم الشرك والكفر على الإسلام والتوحيد ، فإذا اختاروا تغيير ذلك ، غير عليهم . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . يخرج على وجهين : أحدهما : النعمة الدنيوية ، لا تتغير تلك عليهم إلا بتغيير من قبلهم ؛ إما بترك الشكر لها ، وإما بصرفه إلى غير الذي أنعمها عليهم ، ولو غيرت عليهم غيرت ببدل ، فليس ذلك - في الحقيقة - تغيير وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . قيل : أي : سميع لشكر من يشكره ويحمده ، عليم بزيادة النعمة إذا شكر . ويحتمل : سَمِيعٌ أي : مجيب ، عَلِيمٌ : بمصالحهم . ويحتمل أنه سميع لما أسروا من القول وجهروا به ، عليم بما أضمروا من العمل والشرور . وقوله - عزّ وجل - : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ . فإن قيل : ما فائدة تخصيص ذكر آل فرعون من بينهم ؟ وما الحكمة في تكرار قوله : آلِ فِرْعَوْنَ ؟ قيل : لما كانوا أقرب إلى هؤلاء من غيرهم ممن كان قبلهم . ألا ترى أنه قال : إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا [ المزمل : 15 ] . أو أن يذكر أهل الكتاب منهم ؛ لما كانوا ينكرون بعث الرسل من غيرهم ، ويقولون : إن محمدا أمي بعث إلى الأميين مثله ، فقال : إن موسى لم يكن من القبط ، فبعث رسولا إليهم ؛ فعلى ذلك محمد [ وإن ] « 2 » كان أميّا فبعث إلى الأميين وغيرهم ، والله أعلم بذلك . وأما فائدة التكرار - والله أعلم - : فهو أنه ذكر في الآية الأولى الأخذ بالذنوب والتعذيب ، ولم يبين ما كان ذلك العذاب ، فبين في الآية الأخرى أن ذلك العذاب هو

--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 256 ) ، وكذا ابن عادل في اللباب ( 9 / 544 ) . ( 2 ) سقط في أ .