أبي منصور الماتريدي
212
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وكذلك روي عن ابن عمر أن ابن عباس قال : كان عمر يعطينا من الخمس نحوا مما كان يرى أنه لنا ، فرغبنا عن ذلك ، وقلنا : حق ذي القربى خمس الخمس ، فقال عمر : إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها ، فأسعدهم بها أكثرهم عددا وأشدّهم فاقة ، فأخذ ذلك ناس . وتركه ناس ، وكذلك فعل عمر لما ولي الأمر ؛ روي عن ابن عباس قال : عرض علينا عمر أن يزوج من الخمس أيمنا ، ويقضي منه مغرمنا ، فأبينا عليه إلا أن يسلمه إلينا ، فأبى ذلك علينا . فدل فعل عمر على أن القرابة يعطون من الخمس قدر حاجتهم وما تسدّ به فاقتهم ؛ إذ لو كان الخمس حقّا لجميع « 1 » القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم . [ ومما يدل أيضا على أن الخمس لو كان حقّا لجميع القرابة غنيهم وفقيرهم ] « 2 » ؛ لقسمه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فيهم كما قسم أربعة الأخماس بين المقاتلة ؛ بل أعطى منه بعض القرابة وحرم بعضا كما ذكرنا في جبير ابن مطعم . وممّا يدل - أيضا - أن ذلك لأهل الحاجة منهم دون الكل : ما روي أن الفضل ابن عباس وفلان دخلا على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو يومئذ عند زينب بنت جحش « 3 » ، فقال : يا رسول الله ، أنت أبر الناس وأوصل الناس ، وقد بلغنا النكاح « 4 » .
--> ( 1 ) في أ : بجميع . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين ، لها أحد عشر حديثا ، اتفقا على حديثين ، وعنها ابن أخيها محمد بن عبد الله وزينب بنت أبي سلمة ، قالت عائشة : ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين والتقى وأصدق حديثا وأوصل للرحم منها ، وكانت أول نسائه صلى اللّه عليه وسلم موتا . وهي أول من وضع على النعش في الإسلام ، ماتت سنة عشرين . ينظر : الخلاصة ( 3 / 382 ) ، ( 68 ) ، تهذيب التهذيب ( 12 / 420 ) ، ( 2801 ) ، تاريخ البخاري الصغير ( 1 / 49 ) ، الثقات ( 3 / 144 ) . ( 4 ) النكاح في اللغة : الضم والتداخل ، ومنه نكحت البر في الأرض ، إذا حرثتها وبذرته فيها ، ونكح المطر الأرض : إذا خالط ثراها ، ونكحت الحصى أخفاف الإبل : إذا دخلت فيها ، ويكون التداخل حسيّا ، كما ذكر ، ومعنويّا كنكح النعاس العين . ويطلق في اللغة على الوطء حقيقة ، وعلى العقد مجازا . قال المطرزي والأزهري : هو الوطء حقيقة ، ومنه قول الفرزدق : إذا سقى الله قوما صوب غادية * فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا التاركين على طهر نساءهم * والناكحين بشطّي دجلة البقرا وهو مجاز في العقد ؛ لأن العقد فيه ضم ، والنكاح هو الضم حقيقة ، وقال الشاعر : ضممت إلى صدري معطّر صدرها * كما نكحت أم الغلام صبيّها أي : كما ضمت ، أو لأنه سببه ؛ فجازت الاستعارة لذلك . وقيل : إنه حقيقة في العقد ، مجاز في الوطء . وقيل : هو مشترك بين العقد والوطء اشتراكا -