أبي منصور الماتريدي

197

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الله . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ . أي : يجمعون ، وهو ظاهر ، يجمعون إلى جهنم بكفرهم بالله . وقوله - عزّ وجل - : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . جعل الله - تعالى - الخبيث مختلطا بالطيب في الدنيا في سمعهم ، وبصرهم ، ونطقهم ، وجميع جوارحهم ، ولباسهم ، وطعامهم ، وشرابهم ، وجميع منافعهم من [ الغنى ] « 1 » والفقر وأنواع المنافع ، جعل بعضهم ببعض مختلطين في الدنيا ؛ على ما ذكرنا ، لكنه ميز بين الطيب والخبيث في الآخرة بالأعلام ، يعرف بتلك الأعلام الخبيث من الطيب ؛ من نحو ما ذكر في الطيب : قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 - 23 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [ عبس : 38 - 39 ] وقال في الكافرة : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [ عبس : 40 - 41 ] وقال : وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [ طه : 102 ] ، وقوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا [ الإسراء : 97 ] ، وقال : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً . . . الآية [ طه : 124 ] وغير ذلك من الآيات ؛ ميز الله - تعالى - بين الخبيث والطيب بالأعلام « 2 » التي ذكرنا في سمعهم ، وبصرهم ، ووجوههم ، ولباسهم ، ومأكلهم ، ومشربهم ؛ حتى يعرفوا جميعا بالأعلام . ويحتمل ما ذكر من التمييز بين الخبيث والطيب : بالمباهلة التي جرت بين أبي جهل وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ حيث قال أبو جهل : انصر من أهدانا سبيلا ، وأبرنا قسما ، وأوصلنا رحما ، فأجيب بنصر رسوله وأصحابه ، فميز بين المحق والمبطل . ويحتمل ما ذكر من التمييز في الآخرة ؛ كقوله : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [ الشورى : 7 ] . وقوله - عزّ وجل - : الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً . هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يجعلهم دركات بعضها أسفل « 3 » بعض ؛ كقوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] . والثاني : يحتمل أن يجعل بعضهم على بعض مقرنين في الأصفاد .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : إعلام . ( 3 ) في أ : على .