أبي منصور الماتريدي

183

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ . المغانم التي رزقهم وأحل لهم . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 27 إلى 29 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ . جعل الله - عزّ وجل - هذه الأمة وسطا عدلا بقوله : جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] ؛ فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم الله أمناء عدلا وسطا ، فلا تخونوا الله فيه ؛ كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ . . . الآية [ النساء : 135 ] ، وقال : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] ، وقال : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . [ الأحزاب : 72 ] أخبر أنه ألزمهم الأمانة - أعني : البشر - دون ما ذكر من الخلائق فمنهم من ضيّع « 1 » تلك الأمانة ؛ من نحو المنافقين والمشركين ، وخانوا « 2 » فيها ، فلحقهم « 3 » الوعيد بالتضييع ، وهو قوله : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ . . . [ الأحزاب : 73 ] الآية ، فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا ، قد قبلتم أمانة الله فلا تضيعوها ، ولا تخونوا فيها ؛ كما قال : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [ النحل : 91 ] ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] ، وغيرها من الآيات التي فيها ذكر الأمانات ، نهاهم أن يخونوا فيها ، فيكونون كأنهم خانوا أمانتهم . ويحتمل قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، إن أنفسكم وأموالكم لله ، وهي عندكم أمانة استحفظكم فيها ، فلا تستعملوها في غير ما أذن لكم ؛ لأن من استحفظ أحدا في شيء ووضع عنده أمانة ، فاستعملها في غير ما أذن له - صار خائنا فيها ضامنا « 4 » ؛ فعلى ذلك

--> ( 1 ) في أ : تضييع . ( 2 ) في أ : وماتوا . ( 3 ) في أ : فخلقهم . ( 4 ) والراجح هو ما ذهب إليه الحنفية ؛ لما فيه من تفصيل يزيل صعوبة الوقوف على معيار الضمان للوديعة بخلطها ، وما يعد سببا موجبا للضمان ، بسهولة ويسر . وقد اختلف الفقهاء في حكم انتفاع المودع بالوديعة هل يوجب الضمان أم لا ، على مذهبين : -