أبي منصور الماتريدي
180
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
خاصة » . أي : اتقوا الفتنة التي تصيب الظلمة منكم خاصة بظلمهم ، وهي العذاب ؛ كقوله : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] ؛ فعلى ذلك قوله : واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا في الآخرة ، وهي العذاب ، وذلك جائز في الكلام ؛ نحو ما قرأ بعضهم قوله : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : 109 ] ، بكسر الألف وطرح ( لا ) أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ، أي : أنها وإن جاءت لا يؤمنون . وأما على إثبات ( لا ) : فإنه يحتمل وجوها :
--> - وقيل : « لا تصيبن » جواب قسم محذوف ، والجملة القسمية صفة ل « فتنة » أي : فتنة والله لا تصيبن ، ودخول النون أيضا قليل ؛ لأنه منفي . وقال أبو البقاء : « ودخلت النون على المنفي في غير القسم على الشذوذ » ، وظاهر هذا أنه إذا كان النفي في جواب القسم يطرد دخول النون ، وليس كذلك ، وقيل : إن اللام لام التوكيد والفعل بعدها مثبت ، وإنما أشبعت فتحة اللام ، فتولدت ألفا ، فدخول النون فيها قياس ، وتأثر هذا القائل بقراءة جماعة كثيرة : « لتصيبن » ، وهي قراءة أمير المؤمنين ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، والباقر ، والربيع ابن أنس ، وأبي العالية ، وابن جماز . وممن وجه ذلك ابن جني ، والعجب أنه وجه هذه القراءة الشاذة بتوجيه يردها إلى قراءة العامة ، فقال : « يجوز أن تكون قراءة ابن مسعود ، ومن ذكر معه مخففة من « لا » يعني حذفت ألف « لا » تخفيفا واكتفي بالحركة » . قال : « كما قالوا : أم والله ، يريدون : أما والله » . قال المهدوي : « كما حذفت من « ما » وهي أخت « لا » في نحو : أم والله لأفعلن ، وشبهه » . قوله : « أخت لا » ليس كذلك ؛ لأن « ما » هذه للاستفتاح ، ك « ألا » ، وليست من النافية في شيء ؛ فقد تحصل من هذا أن ابن جني خرج كلا القراءتين على الأخرى ، وهذا لا ينبغي أن يجوز البتة ، كيف يورد لفظ نفي ، ويتأول بثبوت وعكسه ؟ ! هذا مما يقلب الحقائق ، ويؤدي إلى التعمية . وقال المبرد ، والفراء ، والزجاج في قراءة العامة « لا تصيبن » : الكلام قد تم عند قوله : « فتنة » ، وهو خطاب عام للمؤمنين ، ثم ابتدأ نهي الظّلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة ، والمراد هنا : لا يتعرض الظالم للفتنة فتقع إصابتها له خاصة . قال الزمخشري في تقدير هذا الوجه : « وإذا كانت نهيا بعد أمر ، فكأنه قيل : واحذروا ذنبا أو عقابا ثم قيل : لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب من ظلم منكم خاصة » . وقال علي بن سليمان : هو نهي على معنى الدعاء ، وإنما جعله نهيا بمعنى الدعاء ؛ لأن دخول النون في النفي ب « لا » عنده لا يجوز ؛ فيصير المعنى : لا أصابت الفتنة الظالمين خاصة ، واستلزمت الدعاء على غير الظالمين ؛ فصار التقدير : لا أصابت ظالما ولا غير ظالم ؛ فكأنه قيل : واتقوا فتنة لا أوقعها الله بأحد . وقد تحصلت في تخريج هذه الكلمة أقوال : النهي بتقديريه ، والدعاء بتقديريه ، والجواب للأمر بتقديريه ، وكونه صفة بتقدير القول . ينظر : اللباب ( 9 / 491 - 493 ) ، أمالي الزجاج ( 233 ) ، والدر المصون ( 3 / 411 ، 412 ) ، والبحر المحيط ( 4 / 478 ) ، والكشاف ( 2 / 211 - 212 ) ، والإملاء لأبي البقاء ( 2 / 5 ) .