أبي منصور الماتريدي
150
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيقول : « من قتل قتيلا فله سلبه » ، يحرض بذلك المقاتلة ، وينفل السرية ويخرج من العسكر شيئا بعد الخمس ، ومما أجمعوا عليه من قسمة الغنيمة أخماسا نزول القرآن ، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الغنيمة لم تحل لأحد قبلنا ، وقد أحلت لنا » « 1 » .
--> - يبلغني ذلك في غير حنين ، وأجاب الشافعي ومن معه بأن ذلك حفظ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في عدة مواطن منها : يوم بدر ، ويوم أحد ، فقد قتل حاطب بن أبي بلتعة رجلا فسلمه رسول صلى اللّه عليه وسلم سلبه ، كما أخرجه البيهقي ، وفي غزوة مؤتة وفي وقائع كثيرة ، واحتج به الصحابة بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في كل مرة خولف فيها أمره صلى اللّه عليه وسلم . ورد علي الشافعية في تخصيص آية الغنيمة بحديث السلب أن هذا لو كان على سبيل الشرع العام وهو موضع النزاع - ورد عليهم أن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كلاكما قتله » مع قضائه بالسلب لأحدهما ، ظاهر في أن أمر السلب للإمام ، وما يقولونه تأويلا لهذا بعد قوله : « فابتدراه بسيفيهما » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كلاكما قتله » بعد نظره في سيفيهما - بعيد ؛ لأنه يتضمن ثبوت الاشتراك في القتل ومباشرتهما له ، وهو موجب لاشتراكهما في السلب ، والقول بأنه تطييب لنفس الآخر غير مسلم ؛ بل هو حرمان له بعد تقرير النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قتل مع صاحبه ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم حاكم مقدر لجهة الحكم ؛ فلا يصح أن يقول هذا ثم يحكم لأحدهما فقط . فدل ذلك على أن المسألة ليست شرعا مقررا في ذاته ؛ وإنما هي ترجع إلى رأي الإمام ، وقد رأى إعطاء أحدهما دون الآخر ، وهو الذي يقدر عوامل الإعطاء والحرمان . وبعد هذا فالسلب نوع من التحريض ، والتحريض أمره موكول إلى الإمام في أصله ونوعه ، فهو الذي يشترطه ، وهو الذي يتصرف فيه بما يرى ، وقد جاء في مسلم وأبي داود حديث عوف بن مالك الأشجعي ، وهو ظاهر في أن مرجع السلب إلى الإمام ، وهذا هو الحديث عن عوف بن مالك ، قال : قتل رجل من حمير رجلا من العدو ، فأراد سلبه ، فمنعه خالد بن الوليد - وكان واليا عليهم - فأتى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عوف بن مالك ، وأخبره بذلك ، فقال لخالد : « ما منعك أن تعطيه سلبه ؟ » فقال : استكثرته يا رسول الله ، قال : « ادفعه إليه » فمر خالد بعوف ، فجرّ بردائه ثم قال : هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؟ ! فسمعه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فاستغضب فقال : « لا تعطه يا خالد ، هل أنتم تاركون لي أمرائي ، إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا وغنما ، فرعاها ، ثم تحين سقيها ، فأوردها حوضا فشرعت فيه ، فشربت صفوه وتركت كدره ، فصفوه لكم وكدره عليكم » رواه أحمد ، ومسلم ، فهذا الحديث يرد على من قال : إن النبي - عليه السلام - لم يقل : « من قتل قتيلا فله سلبه » إلا يوم حنين ؛ فإن هذه الواقعة كانت في غزوة مؤتة ، وهي قبل حنين ، ويدل أيضا على أن السلب موكول إلى الإمام ألا ترى أنه صلى اللّه عليه وسلم منع خالدا من إعطاء السلب بعد ما أمره به ، ولا يكون ذلك والقضاء بالسلب شرع لازم للقاتل ، والقول بأن رد السلب كان زجرا لعوف يمنعه أن عوفا لم يكن هو صاحب الحق حتى يزجر بمنعه ، وإنما صاحبه المددي الذي كان مع عوف ، وهو لم يتجرأ على خالد ، ولم يصدر منه ما يستحق به الزجر ، والزجر إنما يكون لمن أذنب ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وكيف يزجر إنسان بمنع آخر حقه ؟ ! ومن هذا تبين رجحان ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من أن السلب حق للإمام يضعه حيث يشاء ، وليس حقّا للقاتل . ينظر : الجهاد لشحاتة محمد شحاتة ص ( 131 ، 136 ) . ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1 / 519 ) كتاب التيمم ( 335 ) وطرفاه في ( 438 - 3122 ) ، ومسلم ( 1 / 370 ) كتاب المساجد ( 3 / 521 ) عن جابر بن عبد الله بنحوه .