أبي منصور الماتريدي
15
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - بحسب الفطرة كما في الخرس ، أو من جهة ضعفها كما في الطفولية ، ولقائل أن يقول : هذا إنما يصدق على الكلام اللفظي دون النفسي ، حيث السكوت والخرس إنما ينافيان التلفظ . ويجاب بأن المراد بالسكوت والآفة الباطنيان ، بألا يريد في نفسه الكلام ، أو لا يقدر عليه ، ويتلخص في أنه كما أن الكلام لفظي ونفسي ، كذلك ضده وهو السكوت . والخرس : لفظي وباطني ، والمراد الثاني منهما حيث أريد بالكلام الكلام النفسي ، فالله منزه عن الاتصاف بالخرس والآفة . هو بها آمر ناه : فهو صفة واحدة تتكثر بحسب التعلقات . فالكلام باعتبار تعلقه بشيء : خبر ، وبآخر : أمر أو نهي ، وبهذا يخرج العلم والقدرة . وهكذا سائر الصفات الوجودية غير الكلام ؛ لأنه لا أمر ولا نهي بواحدة منها . أما غير الأشاعرة فيقولون : الكلام هو اللفظ المنتظم من الحروف والأصوات ، وينفون الصفة النفسية . وهم في ذلك قد انقسموا إلى فريقين : الفريق الأول : كلامه ألفاظ قائمة بذاته وهي قديمة ، وهم بعض الحنابلة ، أو حادثة ، وهم الكرامية . والفريق الثاني يقول : كلام اللّه ألفاظ قائمة بالغير ، وهم المعتزلة . فالحنابلة يعرفونه : بأنه المؤلف من الكلمات القديمة القائمة بذاته تعالى ، والكرامية يعرفونه : بأنه هو المؤلف من الكلمات الحادثة القائمة بذاته تعالى . وحيث إن المعتزلة لم يعرفوه بالصفة النفسية فليس عندهم سوى الألفاظ وهي حادثة ؛ لأنها مرتبة ، ويستحيل قيام الحادث بالقديم فهم يقولون : إن كلامه - عزّ وجل - ألفاظ قائمة بغيره . فهم يتجوزون بمتكلم عن موجد وخالق للكلام ، وعليه فالمعتزلة لا يثبتون كلاما لله إلا نفسيّا ، كما أثبته الأشاعرة ولا لفظيّا قديما ؛ لأن الألفاظ مرتبة والترتيب حادث . ولا لفظيّا حادثا كما قالت الكرامية ، بل يثبتون كلاما لا على أنه متصف به ، بل على أنه مخلوق قائم بغيره . فالكلام عند المعتزلة هو المؤلف من الكلمات المسموعة الحادثة القائمة بغير الذات ، وهم بذلك خالفوا جميع الفرق . أما أدلة الأشاعرة : على قدم كلام الله - عزّ وجل - وكونه نفسيّا ، فمن وجوه : الأول من جهة اللغة : من قام به الكلام : من أن الكلام عندهم صفة نفسية قديمة قائمة بذاته تعالى ، فالمتكلم في اللغة من قام به الكلام ، لا من أوجده في غيره - كما قالت المعتزلة - لامتناع إثبات المشتق للشيء من غير قيام مأخذ الاشتقاق به ؛ إذ من أوجد الحركة في جسم آخر لا يسمى متحركا لغة ، فلا يسمى اللّه متكلما بخلق الكلام في غيره كما قالت المعتزلة من أن المتكلم من أوجد الكلام في غيره . أما باقي الفرق : من حنابلة وحشوية وأشاعرة وكرامية ، فلا يتنافى مدعاهم مع مدلول متكلم في اللغة على رأي العضد ؛ لأنهم جميعا يقولون : المتكلم من قام به الكلام ؛ فلهذا نحتاج في إثبات مدعى الأشاعرة الخاص - وهو الصفة النفسية - إلى إبطال قدم اللفظ وقيامه بذاته عزّ وجل ، وهو ظاهر البطلان ؛ لأن جعل المرتب الذي تقدم بعض أجزائه وتأخر البعض قديما مفض إلى التناقض ؛ لاستدعاء الترتيب أولية وحدوثا ، واستدعاء الوصف بالقدم عدم أوليته . وأما بطلان قيام الحادث بذات الله - عزّ وجل - فظاهر أيضا ؛ فلم يبق لكونه متكلما ، مع ملاحظة اللغة ، وبطلان قيام لفظ قديم أو حادث بذاته - عزّ وجل - سوى أن له صفة نفسية ، وهو مدعي الأشاعرة . -