أبي منصور الماتريدي

136

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وتأويل الآية - والله أعلم - في قوله : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ . . . الآية ، أي : إنهم وإن لم تكن لهم حاجة إلى المأكل والمشرب وأنواع الحاجات لا يستكبرون عن عبادته ، فأنتم مع حاجتكم إلى الأكل والشرب وأنواع الحوائج أحرى وأولى ألا تستكبروا عن عبادته . أو أن يقول : إن الذين تعبدون « 1 » من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ، فأنتم أحق ألا تستكبروا عن عبادته ؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة ، فخرج هذا جواب ذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَيُسَبِّحُونَهُ . التسبيح : هو وصف الرب - عزّ وجل - بالرفعة ، والعظمة والجلال ، والتعالي عن الأشباه والأمثال ، وعما وصفه الملحدون . والتسبيح : هو تنزيه الرب وتبرئته عن جميع معاني الخلق . وقوله - عزّ وجل - : وَلَهُ يَسْجُدُونَ . السجود : هو الخضوع في الغاية ، وليس في الآية دليل وجوب السجدة على من تلاها أو سمعها « 2 » ، إنما فيها الإخبار عن الساجدين أنهم سجدوا غير مستكبرين ، وفي ذلك

--> ( 1 ) في أ : يعبدون . ( 2 ) اتفق الفقهاء على مشروعية سجود التلاوة ؛ للآيات والأحاديث الواردة فيه ، لكنهم اختلفوا في صفة مشروعيته أواجب هو أو مندوب ؟ فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن سجود التلاوة سنة مؤكدة عقب تلاوة آية السجدة ؛ لقول الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [ الإسراء : 107 - 109 ] ولما ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد ، اعتزل الشيطان يبكي ، يقول : يا ويلي - وفي رواية يا ويله - أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار » . ولما روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : « كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد » . وليس سجود التلاوة بواجب - عندهم - لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم تركه ، وقد قرئت عليه سورة وَالنَّجْمِ . . . [ النجم : 1 ] وفيها سجدة ، روى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال : « قرأت على النبي صلى اللّه عليه وسلم والنجم فلم يسجد فيها » ، وفي رواية : « فلم يسجد منا أحد » وروى البخاري أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد ، فسجد الناس ، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال : « يا أيها الناس ، إنا نمر بالسجود ، فمن سجد فقد أصاب ، ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، ولم يسجد عمر رضي الله تعالى عنه » . ورواه مالك في الموطأ وقال فيه : على رسلكم ، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء ، فلم يسجد ، ومنعهم أن يسجدوا ، وكان بمحضر من الصحابة ، ولم ينكروا عليه فكان إجماعا . واستدلوا أيضا بما جاء في حديث الأعرابي من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « خمس صلوات في اليوم والليلة » قال : هل علي غيرها ؟ قال : « لا ، إلا أن تتطوع » وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت صحيح -