أبي منصور الماتريدي

125

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بها وتعنتوا ، وإذا لم يأتهم بها سألوه الآية سؤال المستهزئين المتعنتين ، وإذا لم يأتهم بها قالوا : لَوْ لا اجْتَبَيْتَها : لولا ابتدعتها وأحدثتها وأنشأتها ، وهلا أنشأتها من قبل نفسك ، فقال : قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أي : لا أفتعلها ، ولا أنشئها من نفسي ، إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي . وأمكن أن يكون سؤال الآية من المؤمنين ؛ فإن كان منهم فهو سؤال الاسترشاد ؛ لما يزداد لهم بكل آية تنزل عليهم يقينا وقوة في دينهم ؛ كقوله : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً . . . الآية [ التوبة : 124 ] ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً الآية [ التوبة : 125 ] ، وكقوله : فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ . . . الآية [ محمد : 20 ] ، فإذا كان السؤال من المؤمنين فهو سؤال الاسترشاد وطلب زيادة الهدى ، وإن كان من الكفار فهو سؤال الاستهزاء والتعنت ، ثم أخبر أنه لا يتبع إلا ما يوحى إليه ، ثم أخبر أنه بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ . قيل « 1 » : بيان ، أي : هذا القرآن [ بيان ] « 2 » من ربكم يبصر به من لم يعاند ولم يكابر عقله كلّ ما له وما عليه ، وأنه البيان من الحق والباطل ، وهدى من الضلالة وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي : ورحمة من العذاب . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 204 إلى 206 ] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 ) وقوله - عزّ وجل - : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا . . . الآية . أمر الله - تعالى - بالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له إذا قرئ ، وإن كان في العقل أن من خاطب آخر بمخاطبات « 3 » يلزمه الاستماع إلى ما يخاطبه ويشافهه ، فالله - سبحانه - إذا خاطب بخطاب أولى أن يستمع له مع ما ذكر في غير موضع من القرآن آيات ما يوجب في العقل الاستماع إليه ؛ كقوله : هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ ، وقوله : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ الأعراف : 3 ] وغير ذلك من الآيات ، ولا سبيل إلى أن يعرف أنه بصائر ، وأنه هدى وما ذكر إلا بالاستماع إليه والتفكر فيه ؛ فدل أن الاستماع لازم في العقل من له أدنى عقل ؛ على ما ذكرنا من المخاطبات ، لكنه ذكر -

--> ( 1 ) ذكره البغوي ( 2 / 225 ) ، وأبو حيان في البحر ( 4 / 448 ) . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : بخطابات .