أبي منصور الماتريدي
11
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - لوحظ أن يكون في المستقبل وعقيب النظر ، بدليل الفاء و « إن » . وهو غير واقع ؛ فلا يلزم وقوع الرؤية . وقد وجه اختيار الشق الثاني أيضا : بأن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث هو متحرك أو ساكن ، فهو مأخوذ لا بشرط شيء وهو يدل على الإمكان ؛ ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودا كان واجب الوجود ، ولو أخذته بشرط كونه معدوما كان واجب العدم ، ولو أخذته من حيث هو مع قطع النظر عن كونه موجودا أو معدوما كان ممكن الوجود ؟ ! فكذا هنا قد جعل الشرط هو استقرار الجبل كما يفيده منطوق الآية ، وهذا القدر ممكن الوجود . وإذا تقرر ما ذكر تكون الرؤية جائزة الحصول بحكم التعليق على الممكن . وأيضا لأهل السنة أن تختار الشق الثالث ، وهو الاستقرار حال الحركة بعد بيان المراد من الاستقرار حال الحركة ، فهو محال ؛ إذ حاصله الجمع بينهما ، ولا نسلم أنه معلق عليه ؛ إذ فيه زيادة بالإضمار ، وإن أرادوا الاستقرار حال الحركة - أي : بدل الحركة - فهو ممكن ، محصول الحركة بدل السكون أمر ممكن ؛ ولهذا ذكر اللّه اندكاكه فقال : جَعَلَهُ دَكًّا ، ولا يقال : جعله كذا ، إلا فيما يمكن أن يكون إلا كذا ؛ فثبت أنها علقت على ممكن . نظير ذلك قيام زيد حال قعوده ، وبالعكس ؛ فإنه ممكن بأنه يقع أحدهما بدل الآخر ، لا بأن يجتمعا ، فإنه مسلم الاستحالة ، ولا يقال : إن مراد المعتزلة من الاستقرار حال الحركة الغرض منه الاستحالة بالغير لا لذاته . بيان ذلك : أن الاستقرار بعد النظر بدليل الفاء وحين تعلقت إرادة اللّه تعالى بعدم استقراره عقيب النظر استحال استقراره ، وقد دفعه السالكوتي فقال : إن استقرار الجبل حين تعلقت إرادة اللّه تعالى بعدم استقراره أيضا ممكن بأن يقع بدله الاستقرار ، إنما المحال استقراره مع تعلق إرادة اللّه تعالى بعدم الاستقرار . كذلك نظرت المعتزلة كبرى الدليل القائلة : والمعلق على الممكن ممكن ، وقالت : إن المعلق على الممكن يجوز أن يكون ممتنعا ، واستشهدت لهذا بأنه يصح أن يقال : إن انعدم المعلول انعدمت العلة ، مع أن العلة قد تكون ممتنعة العدم بالذات ، مع إمكان عدم المعلول في نفسه كما في ذات الواجب بالنسبة إلى الصفات عند بعض المتكلمين ؛ فإن انعدام الصفات علة لانعدام الذات ، وهو ممتنع كما لا يخفى ؛ فثبت أن الممكن قد يستلزم المحال . وأما قولهم : إن الممكن لا يستلزم المحال ، فالمراد منه : أنه لا يستلزمه من حيث كونه ممكنا ، وإن استلزمه من حيث كونه ممتنعا بالغير يظهر أنه لا مانع من تعليق الرؤية الممتنعة على استقرار الجبل الممكن . وأجابت أهل السنة ببيان المراد من كبرى الدليل ( والمعلق على الممكن ممكن ) - : إن الممكن المعلق عليه الممكن الصّرف الخالي عن الامتناع مطلقا ، سواء أكان بالذات أم بالغير ، واستقرار الجبل من قبيل الممكن الصرف ، بخلاف إمكان عدم المعلول المعلق عليه مع امتناع عدم علته ، فالتعليق بينهما بحسب الامتناع بالغير ؛ فإن استلزام عدم الصفات عدم الواجب ؛ من حيث إن وجوده واجب وعدمه ممتنع بوجود الواجب ؛ لذا كان التعليق هنا غير مفيد إمكان المعلق ؛ لأنه تعليق على ممتنع ، أما في موضوعنا فلما كان المعلق عليه ممكنا صرفا لا يشوبه امتناع بوجه من الوجوه ، أفاد إمكان المعلق ، وإلا فلا فائدة في التعليق ؛ إذ عند وقوع المعلق عليه الذي هو ممكن في نفسه : إما أن يقع المعلق والحالة هذه كان ممكنا ، وإن لم يقع فلا داعي للتعليق وإيراد شرط ومشروط ، فالمعلق منتف في حالتي وجود الشرط وعدمه ، ولئن قيل : إن فائدة -