أبي منصور الماتريدي

99

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أَعْلَمُ الْغَيْبَ [ الأنعام : 50 ] ، وصلة قوله : ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ؛ كانوا يطلبون منه صلّى اللّه عليه وسلم ويسألونه أشياء من التوسيع في الرزق ، وغير ذلك مما كان يعدهم من الكرامة والمنزلة والسعة ، وكان يوعدهم بالعذاب ويخوفهم بالهلاك ، فيستعجلون ذلك منه ويطلبون منه ما أوعدهم فقال : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ، ليس ذلك عندي ، لا يعلم ذلك إلا هو . ومفاتح : من المفتح ، ليس من المفتاح [ ؛ لأن المفتاح ] يكون جمعه مفاتيح ، والمفتح : يقال في النصر والمعونة ؛ يقال : فتح الله عليه بلدة كذا ، أي : نصره وجعله غالبا عليهم ، ويقال فيما يحدثه ويستفيد منه : فتح فلان على فلان باب كذا ، أي : علمه علم ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ . أي : من عنده يستفاد ذلك ومنه يكون ، ومن نصر آخر إنما ينصر به ، ومن علم آخر علما إنما يعلمه به ، ومن وسع على آخر رزقا إنما يوسعه بالله ، كل هذا يشبه أن يخرج تأويل الآية . وقوله - عزّ وجل - : وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . هذا يحتمل وجوها ؛ يحتمل [ أي يعلم ] « 1 » ما في البر والبحر من الدواب ، وما يسكن فيها من ذي الروح ، كثرتها وعددها وصغيرها [ وكبيرها ] « 2 » لا يخفى عليه شيء . والثاني : وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، أي : يعلم رزق كل ما في البر والبحر « 3 » من الدواب ويعلم حاجته ، ثم يسوق إلى كل من ذلك رزقه . يذكر « 4 » هذا - والله أعلم - ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه ، يسوق إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب « 5 » ؛ [ كما يسوق أرزاق ] « 6 » كل ما في البر والبحر من غير طلب ولا تكلف « 7 » ، لا تضيق قلوبهم لذلك ، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك ، وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأولئك ؟ ! والثالث : يعلم ما في البر والبحر من اختلاط الأقطار بعضها ببعض ، ومن دخول بعض

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : ما في البحر والبر . ( 4 ) في ب : يخبر . ( 5 ) في ب : ولا تكلف . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) زاد في ب : كما يسوق أرزاق .