أبي منصور الماتريدي

75

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الهدى ، لم يشأ أن يجمعهم على الهدى « 1 » ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ألا يكون الهدى في حال القهر والجبر ، وإنما يكون في حال الاختيار . وقوله - عزّ وجل - : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ . يحتمل وجوها : يحتمل : فلا تكونن من الجاهلين : من قضاء الله وحكمه . ويحتمل : لا تكونن من الجاهلين : من إحسانه وفضله ، أي : من إحسانه [ وفضله ] يجعل لهم الهدى « 2 » . ويحتمل : لا تكونن من الجاهلين أنه يؤمن بك بعضهم وبعضهم لا يؤمن . قال أبو بكر الكيساني في قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى أي : لو شاء الله ابتلاهم بدون ما ابتلاهم به ليخف عليهم ، فيجيبون بأجمعهم ، أو يقول : لو شاء [ الله ] لوفقهم جميعا للهدى فيهتدون ، وهو قولنا ، لكن لم يشأ ؛ لما ذكرنا أنه لم يوفقهم لما علم منهم أنهم يختارون الكفر . وقوله : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ، بأن الله قادر لو شاء لجعلهم جميعا مهتدين . ثم معلوم أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان معصوما ، لا يجوز أن يقال إنه يكون من الجاهلين أو من الشاكرين ، على ما ذكر ، ولكن ذكر هذا - والله أعلم - ليعلم أن العصمة لا ترفع الأمر والنهي والامتحان ، بل تزيد ؛ لذلك كان ما ذكر ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 36 إلى 39 ] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قوله - عزّ وجل - : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ معناه - والله أعلم - إنما يستجيب الذين ينتفعون بما يسمعون ، وإلا كانوا يسمعون جميعا ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا [ أنه ] إنما يجيب الذين ينتفعون بما يسمعون ، وهو كقوله - تعالى - : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] كان النبي - عليه السلام - ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع ، لكن انتفع بالإنذار من اتبع الذكر ، ولم ينتفع من لم يتبع ، وهو ما ذكر - عزّ وجل - : وَذَكِّرْ فَإِنَّ

--> ( 1 ) في ب : على ذلك . ( 2 ) ذكره أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط ( 4 / 120 ) ونسبه لابن عطية بنحوه .