أبي منصور الماتريدي
69
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيركب ظهره ؛ فذلك قوله - تعالى - : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ . وقوله - عزّ وجل - : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ . يحتمل أن يكون هذا صلة « 1 » قوله : وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [ 29 ] قال : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [ 32 ] . أي : الحياة الدنيا للدنيا خاصة ؛ لأن العمل إذا لم يكن لعاقبة تتأمل فهو عبث ، كبان يبني بناء لا لعاقبة تتأمل وتقصد ببنائه فهو لعب ، وعبث ، فعلى ذلك الحياة الدنيا ، لا لدار أخرى يتأمل ويرجى بها الثواب والعقاب [ فهذا ] ليس بحكمة ، وإنما هو لعب ولهو ؛ وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى - : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً . . . [ الآية ] « 2 » [ المؤمنون : 115 ] ، أخبر أن خلقه إياهم إذا لم يكن للرجوع إليه فهو عبث ، فعلى ذلك الحياة الدنيا ، إذا لم يكن هناك بعث ولا حياة بعد الموت للثواب والعقاب ، فهي لعب ولهو . واللهو : ما يقصد به قضاء الشهوة خاصة ، لا يقصد به العاقبة « 3 » ، واللعب : هو الذي لا حقيقة له ولا مقصد « 4 » . وقوله - عزّ وجل - : وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ . أي : الدار الآخرة خير للذين يتقون الشرك والفواحش كلها من الحياة الدنيا « 5 » ، وأصله : أن الحياة الدنيا على ما عند أولئك الكفرة لعب ولهو ؛ لأن عندهم أن لا بعث ، ولا ثواب ، ولا عقاب ، فإذا كانت « 6 » عندهم هكذا فتصير لعبا ولهوا ؛ لأنه يحصل إنشاء لا عاقبة له ، فيكون كبناء البناء الذي ذكرنا إذا كانت « 7 » عاقبته غير مقصودة ، فهو لا انتفاع به . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 33 إلى 35 ] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 )
--> ( 1 ) في أ : أصله . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) قال الراغب الأصفهاني في المفردات ( 455 ) اللهو : ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه ، يقال : لهوت بكذا أو لهيت عن كذا : اشتغلت عنه بلهو . ( 4 ) قال الرماني : اللعب : عمل يشغل النفس عما تنتفع به ، واللهو صرف النفس من الجد إلى الهزل ، يقال : لهيت عنه : أي صرفت نفسي عنه . اللباب ( 8 / 106 ) . ( 5 ) زاد في ب : لكم . ( 6 ) في ب : كان . ( 7 ) في ب : كان .