أبي منصور الماتريدي
65
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . يحتمل لَكاذِبُونَ أي : ليكذبون لو ردوا ، أو أنهم لكاذبون في قولهم : وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي : يضمرون أنهم لا يؤمنون ؛ كقوله - تعالى - : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ إلى قوله : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] يقولون : إنك لرسول الله ، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك في قلوبهم سماهم كاذبين ، فعلى ذلك هؤلاء لما أضمروا في أنفسهم التكذيب وإن ردوا فهم كاذبون في ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ رُدُّوا . قيل : إلى الدنيا ، ولكن [ لو ] « 1 » ردوا إلى المحنة ثانيا لعادوا لما نهوا عنه . والثاني : أنه ذكر كذبهم بما اعتادوا العناد ، وظهر منهم الجحود في القديم ، فبذلك سماهم كذبة ، كما سمي أهل النار كفرة بما كان من كفرهم قبل أن يصيروا إليها ؛ فعلى ذلك هذا . والثالث : أن يكون على الخبر عن عاقبتهم أنهم يصيرون كاذبين لو ردوا ، وعرض عليهم ذلك ، وبعث إليهم الرسل بالآيات ، لا أن يكذبوا في ذلك الوعد . وقوله - عزّ وجل - : وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ . قوله تعالى : إِنْ هِيَ يحتمل ( هي ) : الحياة الدنيا ، ويحتمل ( هي ) الدنيا . ثم هذا القول يحتمل أن يكون من الدهرية ؛ لأنهم ينكرون البعث والحياة بعد الموت ، ويقولون : إن هذا الخلق كالنبات ينبت ثم يتلاشى ؛ فعلى ذلك الخلق يموتون ويصيرون ترابا ، ثم يحيون في الدنيا ؛ كقوله : نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] . ويحتمل أن هذا القول كان من مشركي العرب لما لم يروا إلا الدهر ، ولم يشاهدوا غيره ، فظنوا أنه ليس يهلكهم إلا ذلك الدهر الذي تدور « 2 » الدنيا عليه ، فإن كان ذلك منهم ، فإنما كان ذلك من كبرائهم ورؤسائهم على علم منهم بذلك ، أي : بالبعث ، يلبسون ذلك على السفلة والأتباع ؛ ليكونوا أشد اتباعا لهم وانقيادا ؛ لأنهم لو أعلموا الأتباع بالبعث بعد الموت لعلهم يتركون طاعتهم واتباعهم ؛ لما يشتغلون بالاستعداد لذلك والعمل له ، ففي ذلك ترك اتباعهم وطاعتهم . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ . أي : لربهم ؛ كقوله - تعالى - : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ المطففين : 6 ] وكقوله -
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : يدور .