أبي منصور الماتريدي

64

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - تعالى - : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ تعلق بظاهر هذه الآية الخوارج والمعتزلة . أما المعتزلة فإنهم قالوا : إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانيا ، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان يردهم ، فدل أنه إنما لم يردهم لما علم منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل ، فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في الدين ، وقالوا : لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم . ومن قولهم : إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز [ له ] « 1 » أن يميته . وغير ذلك من المخاييل والأباطيل . وقالت الخوارج : أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه ، وسماهم بالقول كاذبين بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون ، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها ، فإذا أتى بها يصير فيما اعتقده ألا يأتي بها كاذبا ؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول أنهم لا يأتون بها ، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله - عزّ وجل - : يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ . . . الآية [ الممتحنة : 12 ] فإذا سرقن صرن كاذبات في البيعة « 2 » ، كما جعل من ذكر كاذبا في الوعد إذا أخلف ، وعلى ذلك يجعلونه كافرا .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) للبيعة في اللغة معان ، فتطلق على : المبايعة على الطاعة . وتطلق على : الصفقة من صفقات البيع ، ويقال : بايعته ، وهي من البيع والبيعة جميعا والتبايع مثله . قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] وفي الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لمجاشع حينما سأله : علام تبايعنا ؟ قال « على الإسلام والجهاد » وهو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة . كأن كلا منهما باع ما عنده لصاحبه ، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره . ومثله : أيمان البيعة ، وهي : التي رتبها الحجاج مشتملة على أمور مغلظة من طلاق وعتق وصوم ونحو ذلك . والبيعة اصطلاحا ، كما عرفها ابن خلدون في مقدمته : العهد على الطاعة ، كأن يعاهد المبايع أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين ، لا ينازعه في شيء من ذلك ، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره ، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد ، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري ، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي . هذا مدلولها في اللغة ومعهود الشرع ، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة ، وعند الشجرة ، وحيثما ورد هذا اللفظ ومنه : بيعة الخلفاء ، ومنه أيمان البيعة . فقد كان الخلفاء يستحلفون على العهد ويستوعبون الأيمان كلها لذلك ، فسمي هذا الاستيعاب أيمان البيعة . ينظر : لسان العرب ( بيع ) الصحاح ( بيع ) تاج العروس ( بيع ) ، مقدمة ابن خلدون ( 209 ) .