أبي منصور الماتريدي
63
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يفعل ؛ إذ الله سماهم كذبة بما في علمه أنهم يعودون إلى ذلك . فإذا تقرر عندنا من أحد [ ركوب ما كان في ] « 1 » عهده وإيمانه أنه [ لا ] يرتكب يظهر به كذبه . وذلك خطأ ؛ لما لو كان كذلك لكان الصغائر والكبائر واحدا ، ومن كذب في أمر الصغائر في العهد أو رد يكفر ، ومن ارتكب [ الصغيرة ] « 2 » لم يصر كذلك ، فعلى ذلك الكبائر . لكن الآية تخرج على أوجه « 3 » : أحدها : أنها في قوم أرادوا بذلك دفع العذاب لا أن عزموا على ما ذكروا ، دليله فتنتهم بقوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . والثاني : أنه ذكر كذبهم ، أنطق الله جوارحهم ، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك ، فتمنوا عند ذلك العود والرد . ويحتمل : بَدا لَهُمْ : ظهر لهم ما كانوا يخفون من نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلم وصفته في الدنيا وكتموه ، والله أعلم .
--> - والجواب الثالث : أن معنى كونه كافرا أنه مشارك للكفار في عدم حرمة ماله وعرضه . والجواب الرابع : أنه مقارب للكفر على حد قولهم : فلان دخل الدار لمن قارب دخولها . وخلاصة القول فيما ذهب إليه الخوارج : أن جميع ما استدلوا به غير محمول على ظاهره ، بل المقصود به أمور أخر ، قد أوضحناها فيما سبق . فإن قيل : لما ذا ذهبتم إلى تأويل ما استدل به الخوارج من نصوص ، ولم تؤولوا النصوص التي استدللتم بها . قلنا : إن ما أوردناه من أدلة - نحن معاشر أهل السنة - يؤيدنا فيه الأدلة القاطعة على أن مرتكب الكبيرة مؤمن ، أضف إلى هذا إجماع من يعتد به في الإجماع على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر وأما خروج الخوارج عن الإجماع ، فهم فئة ضالة لا يعتد بمخالفتها والله أعلم . والراجح من الخلاف أن مذهب أهل السنة هو الأولى بالقبول ؛ لقوة أدلتهم ، وبطلان ما وجه إليها من اعتراضات ؛ ولقول الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] ، ولقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة ، وإن زنى وإن سرق » فقال أبو ذر : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله ؟ قال : « وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر » . ومن ناحية أخرى ، لا يستقيم عقلا أن نسوي بين مرتكب الكبيرة وبين الكافر أو المشرك ، فمرتكب الكبيرة على الرغم من اقترافه الآثام والمعاصي الكبيرة - موحد وإذا كان الأمر كذلك فكيف نسوي بينه وبين المشرك الذي لا يشهد أن لا إله إلا الله . والله أعلم . ينظر حاشية التفتازاني على العقائد ( 5 / 148 - 155 ) حاشية رمضان أفندي على العقائد ( 236 ) أصول البزدوي ( 142 - 145 ) نشر الطوالع للعلامة المرعشي ص ( 359 ) شرح النووي على صحيح مسلم ( 1 / 279 - 280 ) حاشية الباجوري ( 137 ) النشر الطيب للوزاني ( 2 / 99 ) ( 1 ) في ب : ذكر بما كان . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : وجوه .