أبي منصور الماتريدي
49
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً . قيل : الوقر : هو الثقل في السمع « 1 » ، يقال : وقرت أذنه ، توقر وقرا ، فهي موقورة ، وأما الوقر فهو [ الكفر في قلوبهم ] « 2 » .
--> - فالماتريدية يرون أن للعبد اختيارا في أفعاله والتي يترتب عليها المدح والذم في العاجلة والثواب والعقاب في الآجلة ، ولم يمنعوا أن تضاف الأفعال إلى الله تعالى ؛ لأنه هو الذي وصف نفسه بهذه الصفة على الحقيقة وما عداه مخلوق . أدلة الماتريدية : استدل الماتريدية على صحة مذهبهم بأدلة نقلية وعقلية : أولا : الأدلة النقلية : استدل الماتريدية من النقل بالكتاب والسنة : - فمن الكتاب قوله - تعالى - : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] . - وقوله - تعالى - : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [ الحج : 77 ] . - وقوله - تعالى - : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [ الملك : 13 ] . ووجه الدلالة من الآيات أنها تدل على أن أفعال العباد واقعة بقدرة حادثة منها ، وهذه القدرة يخلقها الله تعالى مقارنة للفعل لا سابقة عليه ولا متأخرة عنه . ثانيا : الأدلة العقلية : استدل الماتريدية من المعقول ، فقالوا : « إن كل واحد منا يعرف بطريق الضرورة الفرق بين ما هو فيه مختار وله فيه عمل ، وبين ما هو فيه مضطر ، فمن سوى بين الأمرين كالمجبرة فإن بطلان قوله لا يحتاج إلى برهان » . وقالوا : « إن العبد يقدر بإقدار الله له ، فلا يمكن أن يقدر بإقدار من ليست له القدرة عليه كما لا يجوز أن يعلم بإعلام من لا علم له به ، ومعلوم أن فاقد الشيء لا يعطيه فلا يمكن لأحد أن يقدر غيره على شيء لم يقدر هو عليه . وقد ثبتت قدرة الله عليه وعلى ما يقدره الله عليه ، فمحال وجود الفعل بغير قدرته مما يدل على أنه تعالى خالق ذلك الفعل ولا خالق سواه . وخلاصة القول في المسألة أن العبد مسير ومخير ، مسير في الأمور الخارجة عن قدرته ، ومخير فيما هو واقع تحت قدرته . وأن العبد في الأفعال الاختيارية الواقعة تحت قدرته يوقع الأفعال بإرادة الله ومشيئته ، وأن إرادة الله ومشيئته لا تعني الإجبار ، بل تعني أن فعل العبد لا يتأخر وقوعه ولا يتقدم عن تقدير الله له . ويعضد هذا القول منهج القرآن الكريم في هذه المسألة ، فهو تارة ينسب الأفعال تحت قدرة العبد ، فيقول الحق - تبارك وتعالى - : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [ البقرة : 197 ] ويقول : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [ النساء : 110 ] وتارة يجعل أفعال العباد خاضعة لمشيئة الله وإرادته ، فيقول - سبحانه وتعالى - : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ولا تنافي بين الأمرين . والله أعلم . ينظر المغني للقاضي عبد الجبار ( 8 / 193 ) ، الأصول الخمسة ص ( 334 ) ، والملل والنحل ( 114 ) ، والفرق بين الفرق ( 211 ) . ( 1 ) ذكره ابن جرير في تفسيره ( 5 / 169 ) ، والرازي في تفسيره ( 12 / 154 ) ، وعزاه لابن السكيت وابن عادل في اللباب ( 8 / 80 - 81 ) . ( 2 ) في ب : الحمل .