أبي منصور الماتريدي

41

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ . كأنه قال : أوحي إليّ هذا القرآن الذي تعرفون أنه من عند الله جاء ؛ لأنه قال لهم : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] فعجزوا عن إتيان مثله ، فدل عجزهم عن إتيان مثله أنهم عرفوا أنه جاء من عند الله . وقوله - عزّ وجل - : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ : لا ينذر بالقرآن ولكن ينذر بما في القرآن ؛ لأنه فيه أنباء ما حل بأشياعهم بتكذيبهم الرسل ، وما يحل بهم من العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل ، وإلا فظاهر القرآن ليس مما ينذر به ، وَمَنْ بَلَغَ كأنه قال : وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ، وأنذر من بلغه القرآن ، صار رسول الله نذيرا ببلوغ القرآن لمن بلغه ، فإذا [ صار ] « 1 » نذيرا به لمن بلغه وإن كان هو في أقصى الدنيا يصير هو نذيرا في أقصى الزمان ، في كل زمان ، وهو - والله أعلم - كقوله - تعالى - : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [ الرعد : 7 ] ، ورسول الله هاد لقومه إلى يوم القيامة . وفي الآية دلالة أن البشارة والنذارة يكونان ببعث آخر يبشر أو ينذر ، وهو دليل لقول أصحابنا « 2 » : إن من حلف : أيّ عبد من عبيدي بشّرني بكذا فهو حرّ ، فبشره [ برسول ، أو بكتاب ] « 3 » يكون بشارة « 4 » . وقوله - عزّ وجل - : أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى فهذا « 5 » في الظاهر استفهام « 6 » ، ولكنه في الحقيقة إيجاب أنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ، بعد ما ظهر

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) عني بقوله « أصحابنا » السادة الأحناف أتباع الإمام أبي حنيفة النعمان وسيأتي ترجمته إن شاء الله تعالى في ص ( 757 ) . ( 3 ) في ب : بكتاب أو برسول . ( 4 ) أحكام القرآن للجصاص ( 1 / 43 ) . ( 5 ) في أ : هذا . ( 6 ) الاستفهام : هو طلب العلم بما في ضمير المخاطب ، وقيل : هو طلب حصول صورة الشيء في الذهن فإن كان تلك الصورة وقوع نسبة بين الشيئين أو لاوقوعها فحصولها هو التصديق وإلا فهو التصور . والاستفهام أسلوب إنشائي طلبي يتطلب إجابة بأحد أمرين بنعم أو لا ، أو بالتعيين . وله أدوات كثيرة كلها أسماء ما عدا أداتين منها هما : الهمزة وهل فإنهما حرفان . فأما الهمزة فقد أوثرت بثلاثة أمور هي : - التصدير : ولذلك قدمت على العاطف في قوله تعالى : أَ وَكُلَّما عاهَدُوا [ البقرة : 10 ] أَ فَسِحْرٌ هذا [ الطور : 15 ] . - طلب التعيين إذا ذكر معها المعادل نحو : أزيد عندك أم عمرو . - الدخول على النفي للتقرير نحو قوله تعالى : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وغير التقرير نحو قولك : ألم تفعل ، لمن قال : لم أفعل . -