أبي منصور الماتريدي
38
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
العباد لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة ، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى الله - تعالى - على أن لله فيه فعلا ، وهو أن خلق فعل ذلك منهم ، فهو على كل شيء قدير من كشف الضر له ، والصرف عنه ، وإصابة الخير لا يملك ذلك غيره . وقوله - عزّ وجل - : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . في هذه الآية والآية الأولى ذكر أهل التوحيد ؛ لأنه أخبر أن ما يصيب العباد من الضر والشدة لا كاشف لذلك إلا هو ، ولا يدفع ذلك عنهم ولا يصرفه إلا الله ، وأن ما يصيبهم من الخير إنما يصيبهم بذلك الله ، وأخبر أنه على كل شيء قدير . وفي قوله : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ إخبار أنه قاهر يقهر الخلق ، عزيز ، قادر ، وله سلطان عليهم ، وأنهم أذلاء تحت سلطانه . وفي قوله : فَوْقَ عِبادِهِ إخبار بالعلوية ، والعظمة ، وبالتعالي عن أشباه الخلق . وَهُوَ الْحَكِيمُ : يضع كل شيء موضعه « 1 » . الْخَبِيرُ : بما يسرون وما يعلنون ، إخبار ألّا يخفى عليه شيء ، وأنه يملك وضع كل شيء موضعه ، وأن ما يصيبهم من الضر والشدة إنما يكون به ، لا يملك أحد صرفه ، وأن [ ما ] « 2 » ضر أحد أحدا في الشاهد ، أو نفع أحد أحدا إنما يكون ذلك بالله في الحقيقة . وفي هذه الأحرف : إخبار عن أصل التوحيد وما يحتاج إليه لما ذكرنا من الوصف له بالقدرة والقهر ، والوصف له بالعلو والعظمة ، والتعالي عن أشباه الخلق ، والوصف له بالحكمة في جميع أفعاله ، والعلم بكل ما كان ويكون . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً . كأن في الآية إضمارا « 3 » - والله أعلم - أي قُلْ يا محمد أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ،
--> ( 1 ) أي ذو الحكمة وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ينبغي . ينظر نشر الطوالع ( ص / 322 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) الإضمار على شريطة التفسير : هو أن يحذف من صدر الكلام ما يؤتى به في آخره ، فيكون الآخر دليلا على الأول . وقد قسم ابن الأثير هذا الفن إلى ثلاثة أقسام : الأول : أن يأتي على طريق الاستفهام ، فتذكر الجملة الأولى دون الثانية كقوله تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الزمر : 29 ] بمعنى : أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه ، ويدل على المحذوف قوله : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ . الثاني : يرد على حد النفي والإثبات ؛ كقوله تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا [ الحديد : 10 ] بمعنى : لا يستوي منكم من أنفق من -