أبي منصور الماتريدي
32
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بل يدركانهم ، شاءوا أو أبوا ، وسلطانهما جار عليهم ليعلموا أن لغير فيهما تدبيرا ، وأن قهرهما الخلق وسلطانهما كان بسلطان من له التدبير والعلم ، ثم جريانهما على سنن واحد [ ومجرى واحد ] « 1 » يدل على أن منشئهما واحد ، ومدبرهما عليم حكيم . وقال بعض أهل التأويل « 2 » : ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ الأنعام : 13 ] ما استقر في الليل والنهار ، من الدواب والطير ، في البر والبحر ، فمنها ما يستقر نهارا وينتشر ليلا ، ومنها ما يستقر بالليل وينتشر « 3 » بالنهار . وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وذلك أن كفار أهل مكة أتوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وقالوا : يا محمد ، إنا قد علمنا [ أنه ] « 4 » ما يحملك على هذا الذي تدعو إليه إلا الحاجة ، فنحن « 5 » نجعلك في أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا ، وترجع عما أنت عليه ؛ فنزلت : وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ؛ لمقالة أولئك « 6 » . الْعَلِيمُ من أين يرزقهم ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا آنفا أن الخلق كلهم تحت قهرهما وسلطانهما . وفيهما وجوه من الحكمة : أحدها : بعض ما ذكرنا ليعلم أن مدبرهما واحد ، وفيه نقض قول الفلاسفة « 7 » ؛ لأنهم
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 158 ) ( 13112 ) عن السدي وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 11 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 3 ) يقال : انتشر النهار وغيره : طال وامتد . ينظر تاج العروس ( 14 / 218 ) . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : ونحن . ( 6 ) أخرجه بنحوه البيهقي في دلائل النبوة ( 2 / 203 ) . ( 7 ) الفلسفة باليونانية محبة الحكماء ، والفيلسوف هو : فيلا وسوفا ، وفيلا هو المحب وسوفا هو الحكمة أي : هو محب الحكمة ، والحكمة قولية وفعلية . ينظر الملل والنحل للشهرستاني ( 2 / 155 ) واصطلاحا : أطلق قديما على دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة عقليا ، وتشتمل عند أرسطو الفلسفة النظرية العملية ، وقصرها الرواقيون على المنطق والأخلاق والطبيعة ، ويرى ابن سينا أن الغرض من الفلسفة الوقوف على حقائق الأشياء كلها ، سواء أكان وجودها باختيارنا أم خارجا عن إرادتنا ، وهي نظرية وعملية ، ويضع تحت النظرية : الطبيعيات والرياضيات والإلهيات ، وتحت العملية : تدبير المدينة وتدبير المنزل والأخلاق ، ومنذ القرن التاسع عشر أخذت العلوم تستقل شيئا فشيئا ، وأصبحت الفلسفة تقتصر اليوم على المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما بعد الطبيعة وتاريخ الفلسفة . ينظر : المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية ص ( 138 ) .