أبي منصور الماتريدي
29
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تأتيهم الملائكة وتأتيه ، قالوا : كيف يخصّ هو بإتيان الملائكة دوننا وهو كواحد منا ؛ كقوله : لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الحجر : 7 ] وهذا جائز أن يكون أسئلة لم تذكر ، ويكون في الجواب بيان ذلك ، على ما ذكرنا من قبل في غير موضع . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ . يصبر رسوله على تكذيب قومه ليعلم أنه ليس هو أول مكذب ، ولكن قد كذب الرسل الذين من قبلك ، ويخبره أنه يلحق هؤلاء بتكذيبك كما لحق أولئك بتكذيبهم الرسل . وقوله - عزّ وجل - : فَحاقَ . قال أبو عوسجة : « حاق » أي : رجع ، يقال : حاق يحيق حيقا ، أي : رجع عليهم « 1 » . وقال الكيساني : حاق بهم أي : [ أحاط بهم ونزل ] « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ليس على الأمر بالسير في الأرض ، ولكن على الاعتبار والتفكر فيما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل ؛ لأنه - عزّ وجل - أراهم آيات عقلية وسمعية ، فلم ينفعهم ذلك ، فأراد أن يريهم آيات حسية « 3 » ليمنعهم ذلك عن التكذيب والعناد . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 12 إلى 13 ] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قوله - عزّ وجل - : قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ . يحتمل وجهين : أحدهما : أن يخرج مخرج البيان لهم [ و ] أنه ليس على الأمر ؛ لأنه لو كان على الأمر لكان يذكر سؤاله لهم ، ولم يذكر وإن سألهم ، لا يحتمل ألا يخبروه بذلك ، فلما لم يذكر
--> ( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 12 / 135 ) عن الفراء بلفظ ( عاد عليهم ) . وبنحوه ابن جرير في تفسيره ( 5 / 154 ) . ( 2 ) ذكره ابن جرير في تفسيره ( 5 / 154 ) ، وبنحوه الرازي في تفسيره ( 12 / 135 ) ولم ينسبه لأحد والبغوي في تفسيره ( 2 / 86 ) ، وعزاه للربيع بن أنس والضحاك وعطاء . وفي ب : حاط ونزل . ( 3 ) من الحس وأهل الإحساس الإبصار كما في قوله تعالى هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [ مريم : 98 ] أي هل ترى ، ثم استعمل في الوجدان والعلم بأي حاسة كانت من حواس الإنسان الخمس : السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، واللمس . ينظر الفيومي في المصباح المنير ( 1 / 52 ) ( حسس ) .