أبي منصور الماتريدي
27
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
دحية الكلبي ، وأنه متى رآه على صورته صعق وتغير حاله ، فإذا رأوا ذلك في وجهه قالوا : إنه لمجنون « 1 » ، فقال : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ويكون فيه ما في رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من اللبس به . والثاني : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ؛ لأنهم لا يعرفون صدقه ، فيحتاجون إلى الدلائل ، والآيات [ التي ] تدلهم على أنه ملك ، وعلى صدقه ، فذلك لا يعرف إلا بالبشر ؛ لأنهم [ لا يعرفون صدقه ] « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ . . . الآية . قالوا : لا يجوز إضافة اللبس إلى الله - تعالى - إلا على المجازاة للبس ، كالاستهزاء ،
--> - القناعة والحاكم . وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [ الشورى : 51 ] هو أن ينفث في روعه بالوحي ، قال الحليمي : هذا هو الوحي الذي يخص القلب دون السمع . الثالثة : أن يأتيه مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه ، فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد ، وحتى إن راحلته لتبرك على الأرض . روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » . الرابعة : أن يكلمه الله تعالى بلا واسطة من وراء حجاب في اليقظة كما في ليلة الإسراء على القول بعدم الرؤية . الخامسة : أن يكلمه الله تعالى كفاحا بغير حجاب على القول بالرؤية ليلة الإسراء . السادسة : أن يكلمه الله تعالى في النوم ، كما في حديث معاذ عند الترمذي : « أتاني ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى » . السابعة : مجيء الوحي كدوي النحل ، روى الإمام والحاكم ، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « إذا أنزل عليه يسمع عند وجهه كدوي النحل » . الثامنة : العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام . وأما صفة حامله : فمجيء جبريل عليه الصلاة والسلام في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح يتناثر من أجنحته اللؤلؤ والياقوت ، وقد وقع ذلك مرتين : مرة في السماء ليلة المعراج ، ومرة في الأرض . ومجيئه في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر وفي صورة دحية الكلبي . ومجيئه في صورة رجل غير دحية . ونزول الوحي على لسان ملك الجبال ونزوله على لسان إسرافيل . ينظر سبل الهدى والرشاد ( 2 / 352 - 355 ) . وصحيح البخاري كتاب بدء الوحي ، ومسلم في كتاب الفضائل حديث ( 87 ) ، وطبقات ابن سعد ( 1 / 197 ) ، والدارمي باب رقم ( 12 ) ، وأحمد ( 167 ) . في أ : إليه . ( 1 ) في ب : مجنون . ( 2 ) في ب : لا يعرفونه ولا صدقه .