أبي منصور الماتريدي
26
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الرسل ، ولا الكتب ، ولا كانوا آمنوا برسول ولا كتاب ، فقالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا [ الفرقان : 21 ] ونحوه من السؤال ، فيسألون إنزال الملك . ثم يحتمل سؤالهم إنزال الملك لما لم يكونوا رأوا الرسل يكونون من البشر ، وإنما رأوا الرسول إن كان يكون ملكا ، فقالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [ الفرقان : 21 ] . ويحتمل أن يكون سؤالهم إنزال الملك سؤال عناد وتعنت ، لا سؤال طلب الرسول من الملائكة ، فقال : وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً على ما سألوا لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي أن الملك إذا نزل على إثر سؤال العناد والتعنت ينزل بالعذاب والهلاك ، فهذا يبين أن سؤالهم سؤال تعنت وعناد . وقوله - عزّ وجل - : لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ أي أنهم كانوا يسألون إنزال الملك آية لصدقه - عليه السلام - فقال : وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ أي : يهلكون ؛ لأن الآيات إذا نزلت على إثر سؤال القوم ثمّ خالفوا تلك الآيات وكذبوها لنزل بهم العذاب والهلاك ، وإن جاءت الآيات على غير سؤال ، فكذبوها يمهلون ، ولا يعذبون عند تكذيبهم إياها ، [ و ] « 1 » الله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا : قيل : آدميّا بشرا « 2 » ، [ و ] يحتمل « 3 » هذا وجوها : [ أحدها ] « 4 » : أي : لو بعثنا الرسول ملكا لجعلناه على صورة البشر ؛ لأنه لو كان على صورة الملائكة لصعقوا ودهشوا ؛ لأنه ليس في وسع البشر رؤية الملك على صورته . ألا ترى أن جبريل « 5 » - عليه السلام - إذا نزل على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم ينزل على صورته ، ولكن كان ينزل على صورة البشر « 6 » ، حتى ذكر أنه كان ينزل عليه « 7 » على صورة
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 152 ) ( 13088 ) ( 13089 ) ( 13090 ) عن قتادة ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 9 ) وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبي الشيخ عن قتادة . ( 3 ) في ب : محتمل . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : جبرئيل . ( 6 ) قال العلماء رضي الله تعالى عنهم : كان الوحي ينزل إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في أحوال مختلفة : الأولى : الرؤيا الصادقة في المنام ، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [ الصافات : 102 ] فدل على أن الوحي كان يأتيهم في المنام كما كان يأتيهم في اليقظة . وفي الصحيح عن عبيد بن عمير : رؤيا الأنبياء وحي » وقرأ هذه الآية . الثانية : أن ينفث الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن روح القدس نفث في روعي : لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله ؛ فإن ما عند الله لن ينال إلا بطاعته » . رواه ابن أبي الدنيا في كتاب -