أبي منصور الماتريدي

23

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل : مكناهم في الأرض من القوة والشدة ؛ كقوله : وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ فصلت : 15 ] ثم مع شدة قوتهم أهلكوا إذ كذبوا الرسل . ويحتمل وجها آخر : مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أي : في قلوب الخلق ، من نفاذ القول ، وخضوع الناس لهم ؛ لأنهم كانوا ملوكا وسلاطين الأرض ، من نحو نمرود « 1 » ، وفرعون « 2 » ، وعاد « 3 » ، مع ما كانوا كذلك أهلكوا إذ كذبوا الرسل ، وأنتم يا هؤلاء ليس

--> ( 1 ) هو النمروذ بن كنعان بن سام بن نوح ، هو أول من وضع التاج على رأسه ، وتجبر وادعى الربوبية ؛ حاج إبراهيم أي : خاصمه وجادله ، واختلفوا في وقت هذه المحاجة ، فقال مقاتل : لما كسر الأصنام سجنه النمروذ ، ثم أخرجه ليحرقه فقال له : من ربك الذي تدعونا إليه ؛ فقال : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ البقرة : 258 ] ، وقال قتادة : هو أول من تجبر ، وهو صاحب الصرح ببابل ، وقيل : هو نمروذ بن فالج بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام ، وحكى السهيلي أنه النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح ، وكان ملكا على السواد ، وكان ملكه الضحاك الذي يعرف بالأزدهاق ؛ وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمروذ ، وكان الناس يمتارون من عنده الطعام ، وكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأل : من ربك ؟ فإن قال : أنت ، نال من الطعام فأتاه إبراهيم فيمن أتاه ، فقال له نمروذ : من ربك ؛ فقال له إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت . فاشتغل بالمحاجة ، ولم يعطه شيئا ، فرجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمر على كثيب من رمل أعفر ، فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم ، فلما أتى أهله ، ووضع متاعه نام فقامت امرأته إلى متاعه ، ففتحته فإذا هو بأجود طعام رأته ، فصنعت له منه فقربته إليه ، فقال : من أين هذا ؟ قالت : من الطعام الذي جئت به ، فعرف أن الله تعالى رزقه فحمد الله تعالى . ينظر اللباب ( 4 / 337 ) ، والطبري في التفسير ( 5 / 430 ) ، والرازي في التفسير ( 7 / 20 ) ، واللباب في علوم الكتاب لابن عادل الحنبلي ( 4 / 337 ) ، والسيوطي في الدر المنثور ( 1 / 586 ) . ( 2 ) فرعون عدو الله قال العلماء بالتواريخ : هو فرعون موسى عمّر أربعمائة سنة وكان اسمه وليد بن مصعب ، وقيل غير ذلك ، وليس في الفراعنة أعتى منه وليس هو فرعون يوسف عليه السلام ؛ لأن فرعون يوسف أسلم على يديه والله أعلم . ينظر تهذيب الأسماء واللغات ( 1 / 49 ) ( 51 ) . ( 3 ) عاد قبيلة كانت تعبد الأصنام ، وكانت ذات بسطة وقوة ، قهروا الناس بفضل القوة ، قال الشهاب البيضاوي : عاد اسم أبيه سميت به القبيلة أو الحي ، قال الليث : وعاد الأولى ، هم عاد بن عاديا ابن سام بن نوح الذين أهلكهم الله تعالى ؛ قال زهير بن أبي سلمى : ألم تر أن الله أهلك تبّعا * وأهلك لقمان بن عاد وعاديا وأما عاد الأخيرة فهم بنو تميم ، ينزلون رمال عالج ، وفي كتاب الأنساب : عاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، كان يعبد القمر ، ويقال : إنه رأى من صلبه وأولاد أولاده أربعة آلاف ، وإنه نكح ألف جارية ، وكانت بلادهم إرم المذكورة ، في القرآن ، وهي من عمان إلى حضرموت . ومن أولاده شداد بن عاد صاحب المدينة المذكورة كذا في تاج العروس . وقال ابن عرفة : قوم عاد كانت منازلهم في الرمال ، وهي الأحقاف ، وقال ابن إسحاق : الأحقاف رمل فيما بين عمان إلى حضرموت . ينظر تفسير القاسمي ( 7 / 164 ) ، وقلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ( 208 ) ، ومعجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة ( 2 / 700 ) ، والأغاني للأصفهاني ( 6 / 280 ) ، وتاج العروس ( 2 / 402 ) .