أبي منصور الماتريدي

22

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ معناه - والله أعلم - [ أن ] « 1 » يأتيهم وينزل بهم ما نزل بالمستهزئين ، [ وإلا كان أتاهم أنباء ما نزل بالمستهزئين ] « 2 » ، ولكن معناه ما ذكرنا ، أي : ينزل بهم ويحل ما نزل وحل بالمستهزئين . ويحتمل قوله وجها آخر : فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهو العذاب ؛ لأن الرسل كانوا يوعدونهم « 3 » أن ينزل بهم العذاب بتكذيبهم الرسل ، فعند ذلك يستهزءون بهم ؛ كقوله : عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ ص : 16 ] وكقوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [ العنكبوت : 53 ] وغير ذلك ؛ إذ قالوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] فأخبر أنه ينزل بهم ذلك كما نزل بأولئك . وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ قال الحسن « 4 » : ألم يروا : ألم يعتبروا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ . وقال أبو بكر الكيساني : أَ لَمْ يَرَوْا قد رأوا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [ قال ] « 5 » : وهو واحد ، قد رأوا آثار الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل ، وتعنتهم ومكابرتهم ، لكنهم لم يعتبروا بذلك . وقوله - عزّ وجل - : مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ قال بعضهم : أعطيناهم من الخير والسعة والأموال ما لم نمكن لكم يا أهل مكة أي : لم نعطكم ، ثم إذا كذبوا الرسل أهلكهم الله - تعالى - وعاقبهم بأنواع العقوبة .

--> - رسول الله ونبيه بعثني لأبلغ رسالته ، وأدعوك إلى الله بالحق ، فوالله إنه لحق ، فأدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له ولا تعبد غيره والموالاة على طاعته . وقرأ عليه القرآن فلم يعز ولم ينكر بل أسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد وأقر بحق الإسلام ، ثم رجع إلى أهله وقد آمن وصدق . قال ابن إسحاق : بلغني أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته له ولا تردد . قال البيهقي : وذلك لما كان يرى من دلائل نبوته ويسمع بشأنه قبل دعوته ، فلما دعاه وقد سبق فيه تفكره ونظره أسلم على الفور . قال السهيلي - رحمه الله تعالى - : وكان من أسباب ذلك توفيق الله تعالى إياه فيما ذكروا أنه رأى رؤيا قبل ، وذلك أنه رأى القمر نزل إلى مكة ثم رآه قد تفرق على جميع منازل مكة وبيوتها فدخل في كل بيت شعبة ، ثم كان جميعه في حجره . فقصها على بعض أهل الكتابين فعبرها له بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم المنتظر قد أظل زمانه ، اتبعه وتكون أسعد الناس به ، فلما دعاه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يتوقف . ينظر سبل الهدى والرشاد ( 2 / 405 - 406 ) . ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : يوعدونه . ( 4 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 3 / 252 ) بنحوه ولم ينسبه لأحد . ( 5 ) سقط في ب .