أبي منصور الماتريدي

20

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - وقال القاضي : معجزات الرسل كانت واردة على أيديهم بقدر أحوال زمانهم ، وكانت بحسب الفن الذي علا واشتهر فيه : فلما كان زمن موسى صلّى اللّه عليه وسلم غاية علم أهله بالسحر بعث إليهم بمعجزة تشبه ما يدعون قدرتهم عليه ، فجاءهم على يديه صلّى اللّه عليه وسلم منها ما خرق عاداتهم ، من انقلاب العصا حية واليد السمراء يدا بيضاء ، من غير سوء ، ولم يكن ذلك المعجز في قدرتهم ، وقد أبطل ما جاءهم منها . وكذلك زمن عيسى صلّى اللّه عليه وسلم كان انتهاء ما كان علم أهله الطب وأوفر ما كان في أهله ، فجاءهم على يديه صلّى اللّه عليه وسلم ما لم يخطر لهم ببال من إحياء الميت وإبراء الأكمه الذي ولد ممسوح العين ، والأبرص وهو الذي بيده بياض - فكان يأتيه من أطاق الإتيان ، ومن لم يطق ذهب صلّى اللّه عليه وسلم به إليه ، فربما اجتمع عنده الألوف ممن به داء فيداويهم من دون معالجة وطب بالدعاء ، وهكذا سائر معجزات الأنبياء كانت بقدر علم زمانهم ، فكان كل نبي يرسل إلى قومه بمعجزة من جنس ما عانوه من علم وصناعة وغيرها . ثم بعث الله تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلم وجملة معارف العرب وعلومهم أربعة : البلاغة ؛ وهي ملكة يبلغ بها المتكلم في تأدية المعاني حدا يؤذن بتوفية كل تركيب حقه . والشعر : وهو كلام موزون مقفى مراد به الوزن . والخبر : يقصد به علم الأنساب . والكهانة : وهي معاناة الخبر من الكائنات وادعاء معرفة الأسرار ؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة من أجل الفصاحة والإيجاز والبلاغة الخارجة عن نوعه وطريقته . وكان العرب يتناضلون بالفصاحة ويتباهون في تحبير الشعر والبلاغة وكانوا أفصح الفصحاء ، ومصاقع الخطباء فأنزل الله تعالى على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم قرآنا عربيا مبينا ، يشتمل على مذاهب لغة العرب ، فتلا عليهم كلاما متشابها في الرصف ، متجانس الوصف ، سهل الموضوع ، عذب المسموع ، خارجا عن موضوع لغة القريض والأسجاع ، مستعذبا في الأفهام والأسماع . فلما سمعوه استعذبوه . فقالوا فيه ما قالوا . فتحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا ، ثم تحداهم بعشر سور مثله فعجزوا . ثم تحداهم بسورة من مثله . قالوا عند العجز : بل القتل والقتال . وجنحوا - للقصور - إلى الجحود والجدال ، فلما عدلوا عن معارضته التي لو تمت لم يدل على كذبه إلى قتاله الذي لو تم مرادهم فيه لم يدل على كذبه كان الإعجاز باديا ظاهرا ، وعجزهم عن معارضته واضحا معلوما ، فالقرآن أفضل المعجزات لبقائه بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولم يبق معجز غيره بعد وفاة أصحابه ؛ ولأن الأحكام الشرعية مستنبطة منه ، ولم تستنبط من معجز سواه ، فالقرآن بحر لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . وحكى أبو عبيد : أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : 94 ] فسجد وقال : سجدت لفصاحة هذا الكلام . وسمع آخر رجلا يقول فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [ يوسف : 80 ] قال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . وحكى الأصمعي : أنه رأى جارية خماسية أو سداسية وهي تقول : أستغفر الله من ذنوبي كلها . فقلت لها : مم تستغفرين ولم يجر عليك قلم ؟ فقالت : أستغفر الله لذنبي كله * قبلت إنسانا لغير حله مثل الغزال ناعما في دله * انتصف الليل ولم أصله فقلت لها : قاتلك الله ، ما أفصحك ! ! فقالت : أتعد هذا فصاحة بعد قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 7 ] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين . انظر : سبل الهدى والرشاد ( 9 / 572 - 578 ) . -