أبي منصور الماتريدي

179

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ومن قرأ بالنصب « 1 » يقول : لقد تقطع ما كان بينكم « 2 » من الوصل . يخبر عزّ وجل عن قطع ما كان بينهم من التواصل ، وتعاون بعضهم بعضا في هذه الدنيا ، أنهم كانوا يتعاونون ويتناصرون بعضهم بعضا - يخبر أن ذلك كله ينقطع في الآخرة ، ويصير بعضهم أعداء بعض ، ويتبرأ بعضهم من بعض ؛ كقوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [ البقرة : 167 ] ؛ وكقوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] ؛ وكقوله - تعالى - : وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً [ الأحقاف : 6 ] ؛ وكقوله : سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ [ مريم : 82 ] الآية ؛ يصير المعبودون أعداء للعابدين ، والعابدون أعداء للمعبودين ، وتصير الوصلة والمودة التي فيما بينهم في

--> - وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] قال : ( وقد سمعناه في غير موضع من أشعارها ) ثم ذكر ما ذكرته عن أبي عمرو بن العلاء ، ثم قال : ( وقرأها الكسائي نصبا ) ، وكان يعتبرها بحرف عبد الله : ( لقد تقطع ما بينكم ) . وقال الزجاج : والرفع أجود ، والنصب جائز ، والمعنى : لقد تقطع ما كان من الشركة بينكم . الثالث : أن هذا الكلام محمول على معناه ؛ إذ المعنى : لقد تفرق جمعكم وتشتت . ينظر اللباب في علوم الكتاب ( 8 / 298 - 301 ) والدر المصون ( 3 / 130 ) ، والكشاف ( 2 / 47 ) ، والكتاب ( 1 / 100 ) ، ومعاني القرآن ( 2 / 300 ) ، والحجة ( 3 / 358 ، 359 ) ، والمحرر الوجيز ( 3 / 325 ) ، والبحر المحيط ( 4 / 186 ) . ( 1 ) والقراءة بالنصب ، فيها مذهبان : أحدهما : أنه أضمر الفاعل في الفعل ودل عليه ما تقدم في قوله : وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ [ الأنعام : 94 ] ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر ، وذلك أن المضمر هو ( الوصل ) ، كأنه قال : لقد تقطع وصلكم بينكم . وقد حكى سيبويه أنهم قالوا : ( إذا كان غدا فائتني ) فأضمر ما كانوا فيه من بلاء ورخاء لدلالة الحال عليه فصار دلالة الحال عليه بمنزلة جري الذكر وتقدمه . والمذهب الآخر : انتصاب ( البين ) في قوله لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ الأنعام : 94 ] على شيء يراه أبو الحسن ، وهو أنه يذهب إلى أن قوله لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ إذا نصب يكون معناه معنى المرفوع ، فلما جرى في كلامهم منصوبا ظرفا تركوه على ما يكون عليه في أكثر الكلام ، وكذلك يقول في قوله : يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [ الممتحنة : 3 ] . وكذلك يقول في قوله : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ [ الجن : 11 ] ف ( دون ) في موضع رفع عنده ، وإن كان منصوب اللفظ ، ألا ترى أنك تقول : منا الصالح ومنا الطالح ، فترفع . فالمسألة من باب التنازع ، تنازع ( تقطع ) ( وضل ) على ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [ الأنعام : 94 ] فأعمل الثاني وهو ضل وأضمر في ( تقطع ) ضمير ( ما ) وهم الأصنام والمعنى : تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا عنكم . وزاد الألوسي وجها آخر ، وهو أن الفاعل ضمير المصدر والتقدير : وقع التقطع بينكم . ينظر إملاء ما من به الرحمن ( 1 / 254 ) البحر المحيط ( 4 / 182 - 183 ) وروح المعاني ( 7 / 225 ) . ( 2 ) في ب : منكم .