أبي منصور الماتريدي

172

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحدهما : لأنها متقدمة ، ومنها : دحيت الأرض على ما ذكر أهل التأويل . والثاني : سميت : أم القرى ؛ لأنها مقصد الخلق في الحج ، وفيها تقضى المناسك « 1 » ، وإليها يقصدون ويأمون ، وإليها يتوجهون في الصلوات ، وهي مقصد أهل القرى . وقوله - عزّ وجل - : وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى أي : أهل أم القرى . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ . فإن قيل : أخبر أن من آمن بالبعث يؤمن بهذا الكتاب ، وأهل الكتاب يؤمنون بالبعث ولا يؤمنون به ، فما معناه ؟ قيل « 2 » : يحتمل هذا وجوها : أحدها : أن يكون هذا في قوم مخصوصين إذا آمنوا بالبعث آمنوا به ؛ كقوله : أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ يس : 10 ] ، هذا في قوم مخصوصين ؛ لأنه قد آمن كثير منهم بالإنذار ؛ فعلى ذلك الأول . والثاني : قوله : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ بالعلم والحجج آمنوا بالقرآن ؛ لأن القرآن جاء في تأييد حجج البعث وتأكيده ، فلا يجوز أن يؤمنوا بما يؤيده القرآن ولا يؤمنوا بالقرآن . والثالث : يحتمل أن يكون إخبارا عن أوائلهم : أنهم كانوا مؤمنين بالبعث بالآيات والحجج راغبين فيه ، فلما جاء آمنوا به . وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين ، أخبر أنهم آمنوا بالآخرة وآمنوا بالقرآن ؛ ألا ترى « 3 » أنه قال : وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ . ويحتمل [ أن ] « 4 » الذين يؤمنون بالآخرة يحق لهم أن يؤمنوا بالقرآن ؛ لأنه به يتزود للآخرة . ويحتمل [ غير ] ما ذكرنا من الوجوه . وقوله - عزّ وجل - : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً . هذا في الظاهر استفهام وسؤال لم يذكر له جواب ، لكن أهل التأويل فسروا فقالوا : لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا ، وهذا جواب له [ ليس ] « 5 » هو تفسيره ، لكن ترك ذكر

--> ( 1 ) المناسك : جمع منسك بفتح السين وكسرها وهي عبادات الحج وأماكنها وأصل النسك العبادة مطلقا من حج وغيره غير أنه قد صار علما بالغلبة التحقيقية على الحج والعمرة ، ينظر حاشية الشرقاوي على التحرير ( 1 / 458 ) وعمدة الحفاظ ( 4 / 197 ) . ( 2 ) ينظر تفسير أبي حيان الأندلسي ( 4 / 183 ) . ( 3 ) في ب : يرى . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) سقط في أ .