أبي منصور الماتريدي

163

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال يا رسول زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل عندك من شيء تصدقها إياه فقال : ما عندي إلا إزاري هذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك فالتمس شيئا ، فقال ما أجد شيئا ، فقال التمس ولو خاتما من حديد ، فالتمس فلم يجد شيئا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل معك من القرآن شيء ، قال : نعم سورة كذا ، وسورة كذا لسور يسميها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قد زوجتكها بما معك من القرآن . وفي رواية لهما : قد ملكتها بما معك من القرآن : فالحديث يفيد جواز جعل تعليم القرآن صداقا ، وإذا جاز أن يكون التعليم عوضا في باب النكاح جاز أن يكون معوضا عنه في غيره . وثالثا : أن الإجارة على أداء قربة يتعدى نفعها إلى غير فاعلها ، لا تعدو أن تكون إجارة على عمل معلوم مشروع واصل نفعه إلى المستأجر فيجوز كسائر أنواع الإجارة . مناقشة الأدلة : وقد ناقش المانعون هذه الأدلة بما يأتي : أما الحديث الأول فإنه ورد في الرقية ، فيختص بجواز الأجرة عليها ، وهي من باب التداوي ، لا من باب العبادة فلا يقاس عليها غيرها ، فيبقى ما عداها على المنع . على أنه يمكن حمل الأجر في الحديث على الثواب ، فلا يدل على جواز أخذ الأجرة أصلا ، كما يمكن أن يكون الأخذ من هؤلاء لأنهم كفار أو لأنه كان يجب عليهم أن يضيفوهم فكان هذا عوض ما استحقوه من الضيافة . وأما الحديث الثاني فليس صريحا في أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل تعليم المرأة صداقا كما قلتم ، لاحتمال أن تكون الباء في قوله بما معك للسببية لا للمعاوضة ، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد زوجه إياها بلا مهر إكراما لحفظه مقدارا من القرآن ، وقد كان الرسول يملك هذا الحق ، أو أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد صدقها شيئا من عنده إكراما لهما ، أو سكت عن المهر فأصبح واجبا في ذمة الزوج مهر مثلها ، وأيا ما كان الأمر فلا دلالة في الحديث على جعل تعليم القرآن صداقا . وأما الدليل الثالث فهو قياس في مقابلة النصوص المانعة من أخذ الأجرة على القرب فهو فاسد الاعتبار . وأجيب عن هذه المناقشة بما يأتي : أولا : أن حمل الحديث الأول على الرقية تخصيص بالسبب ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وقولهم : إن الأجر معناه الثواب مردود ؛ لأن سياق الحديث يأباه للتصريح بالشاء . وقولهم : إن الرقية من باب التداوي لا من باب العبادة ، مسلم ، ولكنها مع هذا لا تخلو من أنها قربة ؛ نظرا لما تشتمل عليه من التلاوة ولولا كونها قربة لما أفادت الشفاء بغير سبب ظاهر ، إذ إفادته بغير السبب الظاهر إنما نشأت عن بركة التلاوة ، وكيف يكون فيها البركة وهي غير قربة . ودعوى أن الأخذ كان لكفرهم ، أو لوجوب الضيافة عليهم ، بعيدة عن سياق الحديث ، ولو كان ذلك هو الواقع لما ناط النبي صلى الله عليه وسلم أحقية أخذ الأجر بكونه على كتاب الله وسماه أجرا ، فلم يكن غنيمة ، ولا فيئا ، ولا ضيافة ، وكيف يكون عوض ضيافة ، وقد استغنوا عنه ، وجاءوا به كاملا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . -