أبي منصور الماتريدي
12
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
على الدهرية « 1 » في إنشاء الخلق لا من شيء ؛ فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه ؛ ولهذا وقعوا
--> - وقد يجاب عن هذا الدليل من زاوية أخرى بأنه لو تم لما وجد أحد من الممكنات ابتداء ؛ وذلك أن الممكن قبل وجوده متصف بصحة الوجود ، وهذه الصفة تقتضي تميزه حال عدمه ، والتميز حال العدم باطل على مقتضى هذا الدليل ، فهو كما يجري في المعدوم بعد الوجود يجري في المعدوم قبل الوجود ، إذن لو تم هذا الدليل لترتب عليه باطل وهو عدم وجود الممكنات ، فإذن هو باطل . والحقيقة أن المسألة أبسط من هذا بكثير ، وهي جلية الوضوح في القرآن الكريم وسنة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فالله - عزّ وجل - قادر على الإعادة من العدم ، قال الله تعالى : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس : 78 - 79 ] . ينظر : الصحاح للجوهري ، طبعة دار الكتب العلمية ، مادة ( ب ع ث ) ( 1 / 407 ) . تاج العروس للزبيدي ، طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت مادة ( ب ع ث ) ، شرح المقاصد للتفتازاني مكتبة الكليات الأزهرية ( 5 / 82 - 106 ) أصول الدين لأبي منصور البغدادي ، طبعة دار الكتب العلمية ( 235 ) ، أصول الدين للبزدوي ص ( 156 ) . حاشية رمضان أفندي على العقائد ( 226 ) ، نشر الطوالع للعلامة المرعشي الشهير بساجقليزاده ، طبعة مكتبة العلوم العصرية ص ( 347 ) ( شرح المسايرة ) للكمال بن الهمام ( 98 ) وما بعدها . ( 1 ) الدهر : بالفتح وسكون الهاء وفتحها ، هو الزمان الطويل الأمد الممدود ، وألف سنة كما في القاموس ؛ وقال الراغب : إنه اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه ، يعبر به عن كل مدة كثيرة ، بخلاف الزمان ؛ فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة . وفي المغرب : الدهر والزمان واحد . وأما الفقهاء فقد اختلفوا فيه ، فقال أبو حنيفة رحمه الله : لا أدري ما الدهر وما معناه ؛ لأنه لفظ مجمل ، ولم يجد نصّا على المراد منه فتوقف فيه ، ثم اختلفوا فروى بشر عن أبي يوسف أن التعريف والتنكير سواء عند أبي حنيفة رحمه الله ، وذكر في الهداية : الصحيح أن هذا في المنكر ، وأما المعرف فبمعنى الأبد بحسب العرف ، وعندهما الدهر معرفا ومنكرا ستة أشهر . والدهرية : فرقة من الكفار ذهبوا إلى قدم الدهر واستناد الحوادث إلى الدهر كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله : ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] . وذهبوا إلى ترك العبادات رأسا لأنها لا تفيد ، وإنما الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة على ما هو الواقع فيه ، فما ثم إلا أرحام تدفع ، وأرض تبلع ، وسماء تقلع ، وسحاب يقشع ، ويسمون بالملاحدة أيضا ، فهم عبدوا الله من حيث الهواية . وفي كليات أبي البقاء : الدهر هو في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه ، ومدة الحياة ، وهو في الحقيقة لا وجود له في الخارج عند المتكلمين ؛ لأنه عندهم عبارة عن مقارنة حادث لحادث ، والمقارنة أصل اعتباري عدمي ؛ ولذا ينبغي في التحقيق ألا يكون عند من حده من الحكماء بمقدار حركة الفلك ، وأما عند من عرفه منهم بأنه حركة الفلك فإنه وإن كان وجوديّا إلا أنه لا يصلح للتأثير . والدهر معرفا : الأبد بلا خلاف ، وأما منكرا فقد قال أبو حنيفة رحمه الله : لا أدري كيف هو في حكم التقدير ؛ لأن مقادير الأسماء واللغات لا تثبت إلا توقيفا . وقد ورد في ترجمة المشكاة عن الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح حديث : « يؤذيني ابن آدم ؛ يسب الدهر وأنا الدهر . . . » إلى آخره لأن الدهر بمعنى الفاعل والمدبر والمتصرف ؛ لأن سب الدهر مشعر بالاعتقاد في فاعليته وتصرفه كأن يقال : إن الدهر اسم للفاعل المتصرف فقال : « وأنا الدهر » -