أبي منصور الماتريدي
8
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مالها ؛ تركوها وأخذوا غيرها من النساء . قالت : فكما تتركونها حين ترغبون عنها ؛ فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق « 1 » . وقيل : لما أنزل اللّه - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً . . . الآية [ النساء : 10 ] ، ترك المؤمنون مخالطة اليتامى ، وتنزهوا عنها ؛ فشق ذلك عليهم ؛ فاستفتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مخالطتهم « 2 » ، وكان يكون عند الرجل عدد من النساء ثم لا يعدل بينهن ؛ فأنزل اللّه - تعالى - : فَإِنْ خِفْتُمْ الجور في مخالطة اليتامى ؛ فكذلك خافوا جمع النساء وترك التسوية بينهن في النفقة والجماع . ثم من الناس من يبيح نكاح التسع « 3 » بقوله تعالى : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فذلك تسع . وأما عندنا : فإنه لا يحتمل ذلك ؛ لأن معنى قوله - تعالى - : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ : مثنى أو ثلاث أو رباع ؛ لأنه قال : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً : استثنى الواحدة إذا خاف ألا يعدل بينهن ، فلو كان ما ذكر ؛ لكان لا معنى لاستثناء واحدة منهن ، ولكن يقول : « وإن خفتم ألا تعدلوا » بين التسع ؛ فثمان ، أو سبع ، أو ست ؛ فلمّا لم يستثن إلا واحدة دل أن التأويل ما ذكرنا : مثنى أو ثلاث أو رباع ، على الانفراد « 4 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 8 / 86 ، 87 ) : كتاب التفسير ، رقم ( 4573 ، 4574 ) ، ومسلم ( 4 / 2312 ) : كتاب التفسير ، رقم ( 3018 ) ، والطبري في تفسيره ( 7 / 532 ) ( 8456 ) ، والبيهقي في سننه ( 7 / 141 ، 142 ) ، وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 2 / 209 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 2 ) في ب : مخالطتهن . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 536 ) رقم ( 8466 ) ، وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 2 / 209 ) ، وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير . ( 4 ) ذهبت طائفة إلى أنه : يجوز التزويج بأي عدد شاء ، واحتجوا بالقرآن والخبر . أما القرآن فتمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه : الأول : أن قوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] - إطلاق في جميع الأعداد ؛ بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه . وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل . الثاني : أن قوله : « مثنى وثلاث ورباع » - لا يصلح مخصصا لذلك العموم ؛ لأن تخصيص بعض الأعداد يدخل على رفع الحرج والحجر مطلقا ؛ فإن الإنسان إذا قال لولده : افعل ما شئت : اذهب إلى السوق وإلى المدرسة ، وإلى البستان - لم يكن تنصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة فقط ؛ بل يكون ذلك إذنا في المذكور ، وغيره ، وهكذا هنا . الثالث : أن الواو للجمع المطلق ؛ فقوله تعالى : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ - لا يدخل هذا المجموع ، وهو تسعة ؛ بل يفيد ثمانية عشر ؛ لأن قوله « مثنى » ليس عبارة عن اثنين فقط ؛ بل عن اثنين اثنين ، وكذا البقية .