أبي منصور الماتريدي

3

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

المجلد الثالث سورة النساء بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( 1 ) قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ في كل ما كان الخطاب للكفرة : ذكر اللّه - سبحانه وتعالى - على أثره حجج وحدانيته ، ودلائل ربوبيته ؛ لأنهم لم يعرفوا ربهم ، من نحو ما ذكر : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ . . . الآية ، وكقوله - تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ . . . الآية [ البقرة : 21 ] ، وكقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [ فاطر : 5 ] ، ونحوه كثير : ذكر « 1 » الحجج والدلائل التي بها يوصل إلى معرفة الصانع وتوحيده ؛ لينظروا فيها وليتفكروا ؛ فيعرفوا بها خالقهم وإلههم . وفي كل ما كان الخطاب للمؤمنين : لم يذكر حجج الوحدانية ، ولا دلائل الربوبية ؛ لأنهم قد عرفوا ربهم قبل الخطاب ، ولكن ذكر على أثره نعمه التي أنعمها عليهم ، وثوابه الذي وعد لهم ، نحو قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً . . . إلى آخر ما ذكر [ آل عمران : 102 - 103 ] ، ذكر نعمه التي أنعمها عليهم ، وكقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ . . . كذا إلى [ آخر ] ما ذكر [ الحديد : 28 ] ؛ على هذا يخرج الخطاب في الأغلب . وقوله - عزّ وجل - : اتَّقُوا رَبَّكُمُ . قيل : اتقوا عذابه ونقمته . وقيل : اتقوا عصيانه في أمره ونهيه . وقيل اتقوا اللّه بحقه في أمره ونهيه « 2 » . قوله - عزّ وجل - : الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أضاف خلقنا إلى آدم ؛ إذ [ صورة ] الإنسان في النطفة . قال : دلت إضافة خلقنا من آدم - وإن لم تكن أنفسنا مستخرجة منه - على أمرين :

--> ( 1 ) في ب : ذلك . ( 2 ) انظر : تفسير الرازي ( 9 / 129 ) ، اللباب لابن عادل ( 6 / 142 ) ، قال ابن جرير ( 3 / 565 ) : احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم وفيما نهاكم ؛ فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به . وقال القاسمي في محاسن التأويل ( 5 / 6 ) : أي : اخشوه أن تخالفوه فيما أمركم به ، أو نهاكم عنه .