أبي منصور الماتريدي

11

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لكنه معلوم أن الحد في عدد النساء ؛ لخوف الجور ، وبما علم اللّه من عجز البشر على ما جبل عليه ، أخبر أنه لا يقوم بوفاء الحق في أكثر [ من ] ما ذكر . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ليس على الحكم والحتم ؛ ولكنه أدب ؛ لأنه وإن خاف ألا يعدل فتزوج أربعا - جاز ، وهو مثل الذي نهى - في الإصرار - المراجعة ، وأمر بالقصد فيها والعدل ، فإن فعل ذلك أثم ورجعته صحيحة ، وكذلك كالأمر بالطلاق في العدة « 1 » ، والنهي [ عنه ] « 2 » في غير العدة ، ثم إذا طلق في غير العدة وقع ؛ فكذلك [ الأول . وقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا : في القسم « 3 » والجماع والنفقة « 4 » . فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ] « 5 » إن خفتم ألا تعدلوا في واحدة ؛ لأنه ليس للإماء قبل سادتهن حقّ الجماع والقسم ؛ ينكح ما شاء ؛ كأنه قال هذا ؛ لما ليس لأكثرهن غاية ؛ فله أن يجمع ما شاء من الإماء في ملكه ، وليس له أن يجمع بالنكاح أكثر من أربع ، ولو كان التأويل ما ذهب إليه لم يكن لقوله : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وجه . وفيه إذن بتكثير العيال ، مع ما أن كثرة العيال معدودة من الكرم ؛ إذا أحسن إليهم لم يحتمل أن يزهد فيه .

--> ( 1 ) وذلك لقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ . . . . . الآية [ الطلاق : 1 ] . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) القسم بفتح القاف مع سكون السين ، بمعنى : العدل بين الزوجات في المبيت . ينظر : لسان العرب [ قسم ] . وفي الآية التي معنا دليل على القسم ؛ إذ نهي جل شأنه عن الجمع بين اثنتين أو أكثر ؛ عند خوف عدم العدل فيما إذا اجتمعتا أو اجتمعن ؛ علم أن العدل واجب ، ومن العشرة - أيضا - بالمعروف : تأدية حقها ، والعدل بينها وبين غيرها في المبيت . ( 4 ) قال القرطبي ( 5 / 15 ) : قال الضحاك وغيره : في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنين ، ( فواحدة ) فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة وذلك دليل على وجوب ذلك . ( 5 ) ما بين المعقوفين سقط من ب . قال القرطبي في تفسيره ( 5 / 15 ) : يريد الإماء ، وهو عطف على « فواحدة » أي : إن خاف ألا يعدل في واحدة فمما ملكت يمينه . وفي هذا دليل على أن لا حق لملك اليمين في الوطء ولا القسم ؛ لأن المعنى « فإن خفتم ألا تعدلوا » في القسم « فواحدة أو ما ملكت أيمانكم » فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة ؛ فانتفى بذلك أن يكون للإماء حق في الوطء أو في القسم . إلا أن ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق . وأسند - تعالى - الملك إلى اليمين ؛ إذ هي صفة مدح ، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها ؛ ألا ترى أنها المنفقة ؟ ! كما قال - عليه السلام - : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) وهي المعاهدة المبايعة ، وبها سميت الألية يمينا ، وهي المتلقية لرايات المجد .