أبي منصور الماتريدي
95
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال الشيخ - رضى اللّه تعالى عنه - : الهدى على وجهين : هدى : عرف ، ليوحدوه . وهدى : وفق ، لطاعتهم . وقوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قيل « 1 » : إن أهل الحرم كانوا لا يقفون بعرفات ، ويقولون : [ إنما ] نحن أهل حرم اللّه ، لا نفيض كغيرنا ، ممن قصدنا ، فأنزل اللّه فيهم : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ، أمرهم بالوقوف بعرفات ، والإفاضة منها من حيث أفاض غيرهم من الناس . وذكر عن عائشة ، رضى اللّه تعالى عنها ، أنها قالت : كانت قريش ، ومن كان على دينها يقفون بالمزدلفة ولا يقفون بعرفة ، [ وكان من سواهم يقفون بعرفة ] . فأنزل اللّه تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ « 2 » . وفيه دليل أن الوقوف بعرفة فرض « 3 » ، وعلى ذلك جاءت الآثار ؛ روى عن رسول اللّه
--> ( 1 ) قاله قتادة بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 3840 ) ، وعن السدى ( 3841 ) ، والربيع ( 3842 ) ، وغيرهم ، ينظر : الدر المنثور ( 1 / 409 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 4520 ) ، ومسلم ( 151 / 1219 ) ، وأبو داود ( 1910 ) ، والترمذي ( 884 ) ، والنسائي ( 5 / 254 ) ، والطبري ( 3834 ) . ( 3 ) المراد من الوقوف بعرفة : وجود الحاج في أرض ( عرفة ) ، بالشروط والأحكام المقررة . والوقوف بعرفة ركن أساسي من أركان الحج ، يختص بأنه من فاته فقد فاته الحج . وقد ثبتت ركنية الوقوف بعرفة بالأدلة القاطعة من الكتاب والسنة والإجماع : أما القرآن فقوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ . فقد ثبت أنها نزلت تأمر بالوقوف بعرفة . وأما السنة : فعدة أحاديث ، أشهرها حديث : « الحج عرفة » . وأما الإجماع : فقد صرح به عدد من العلماء ، وقال ابن رشد : أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج ، وأنه من فاته فعليه حج قابل . ويبدأ وقت الوقوف بعرفة من زوال الشمس يوم عرفة - وهو تاسع ذي الحجة - ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق يوم عيد النحر حتى لو وقف بعرفة في غير هذا الوقت كان وقوفه باطلا اتفاقا في الجملة . وقد أجمعوا على أن آخر وقت وقوف عرفة هو طلوع الفجر يوم النحر . أما ابتداء وقت الوقوف بعرفة فقد وقع فيه اختلاف : فذهب الحنفية والشافعية إلى أن أوله زوال شمس يوم عرفة . وذهب مالك : إلى أن وقت الوقوف هو الليل ، فمن لم يقف جزءا من الليل لم يجزئ وقوفه وعليه الحج من قابل ، وأما الوقوف نهارا فواجب ينجبر بالدم بتركه عمدا بغير عذر . وعند الحنابلة : وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر . وقد قسم الحنفية والحنابلة زمان الوقوف إلى قسمين : - زمان الركن الذي تتأدى به فريضة الوقوف بعرفة : وهو أن يوجد في عرفة خلال المدة التي عرفناها عند كلّ ، ولو زمانا قليلا جدا . - زمان الواجب : وهو أن يستمر من وقف بعد الزوال إلى أن تغرب الشمس ، فلا يجاوز حد عرفة إلا بعد الغروب ، ولو بلحظة . وهو المقصود بقولهم : أن يجمع بين الليل والنهار بعرفة . فلو فارق عرفة قبل الغروب وجب عليه دم عند الجمهور ، أما إذا لم يقف بعرفة إلا بعد المغرب فلا شئ -