أبي منصور الماتريدي

80

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم اختلف أهل العلم في الذبح : أين يذبح ؟ قال أصحابنا - رضى اللّه تعالى عنهم - : لا يجوز أن يذبح الفدية إلا بمكة « 1 » . وأما الصدقة والصوم فإنه يأتي به حيث شاء . وذلك عندهم بمنزلة هدى المتعة ؛ لأن هدى المتعة إنما وجب بجمعه بين الحج والعمرة في سفر واحد ؛ ولأنه لو شاء أن يفرد لكل واحد منهما سفرا فعل ، فبأخذه بالرخصة لزمه دم . وكذلك دم الفدية إنما وجب لأخذه بالرخصة في حلق رأسه ، فصار سبيل الدمين سواء ، يجبان بمكة ، وكذلك دم الإحصار إنما وجب ؛ لأنه أخذ بالرخصة في حلق رأسه فحل من إحرامه . ولا يجوز أن يذبح إلا بمكة . فدم الفدية أينما كان إنما وجب ؛ لأنه رخص له في حلق مثل ذلك .

--> - وأحمد ( 4 / 241 ، 242 ، 243 ) ، وأبو داود ( 1 / 574 ) كتاب المناسك ، باب في الفدية ( 1856 ، 1857 ، 1858 ، 1859 ، 1860 ) ، والنسائي ( 5 / 194 ) كتاب المناسك ، باب في المحرم يؤذيه القمل في رأسه ، والترمذي ( 2 / 276 - 277 ) كتاب الحج ، باب ما جاء في المحرم يحلق رأسه ( 953 ) . ( 1 ) ذهب الشافعية والحنابلة في رواية إلى أن المحصر يذبح الهدى حيث أحصر ، فإن كان في الحرم ذبحه في الحرم ، وإن كان في غيره ذبحه في مكانه . حتى لو كان في غير الحرم وأمكنه الوصول إلى الحرم فذبحه في موضعه أجزأه على الأصح في المذهبين . وذهب الحنفية - وهو رواية عن الإمام أحمد - إلى أن ذبح هدى الإحصار مؤقت بالمكان ، وهو الحرم ، فإذا أراد المحصر أن يتحلل يجب عليه أن يبعث الهدى إلى الحرم فيذبح بتوكيله نيابة عنه في الحرم ، أو يبعث ثمن الهدى ليشترى به الهدى ويذبح عنه في الحرم . ثم لا يحل ببعث الهدى ولا بوصوله إلى الحرم ، حتى يذبح في الحرم ، ولو ذبح في غير الحرم لم يتحلل من الإحرام ، بل هو محرم على حاله . ويتواعد مع من يبعث معه الهدى على وقت يذبح فيه ليتحلل بعده . وإذا تبين للمحصر أن الهدى ذبح في غير الحرم فلا يجزئ . وفي رواية أخرى عن أحمد : أنه إن قدر على الذبح في أطراف الحرم ففيه وجهان . وقد استدل الشافعية والحنابلة بفعل النبي صلى اللّه عليه وسلم فإنه نحر هديه في الحديبية حين أحصر ، وهي من الحل ؛ بدليل قوله تعالى : وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ . واستدلوا كذلك من جهة العقل بما يرجع إلى حكمة تشريع التحلل من التسهيل ورفع الحرج ، كما قال في المغنى : ( لأن ذلك يفضى إلى تعذر الحل ؛ لتعذر وصول الهدى إلى الحرم ) أي : وإذا كان كذلك دل على ضعف هذا الاشتراط . واستدل الحنفية على توقيت ذبح الهدى بالحرم بقوله تعالى : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، وتوجيه الاستدلال بالآية عندهم من وجهين : الأول : التعبير ( الهدى ) . الثاني : الغاية في قوله : حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وتفسير قوله : مَحِلَّهُ بأنه الحرم . واستدلوا بالقياس على دماء القربات ؛ لأن الإحصار دم قربة ، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان ، أو مكان ، فلا يقع قربة دونه . أي دون توقيت بزمان ولامكان ، والزمان غير مطلوب ؛ فتعين التوقيت بالمكان . ينظر : الهداية وشروحها ( 2 / 297 ) ، شرح الكنز ( 2 / 78 ) ، والبدائع ( 2 / 179 ) ، المجموع ( 8 / 247 ) .