أبي منصور الماتريدي
60
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ . يحتمل : يَسْئَلُونَكَ أي : سألوك عن الأهلة . ويحتمل : يَسْئَلُونَكَ [ أنهم يسألونك ] « 1 » من بعد ، فإن كان على هذا ففيه دليل رسالته ؛ لأنه كان كما أخبر من السؤال له . ثم معنى السؤال عن الأهلة - واللّه أعلم - هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائما على حالة واحدة ، ورأوا القمر مختلف الأحوال من الزيادة والنقصان فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر ، فأخبر - عزّ وجل - أنه جعل الهلال معرفا للخلق الأوقات والآجال والمدد ومعرفة وقت الحج ؛ لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم ، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام . فجعل - عزّ وجل - بلطفه وبرحمته ، الأهلة ليعرفوا بذلك الأوقات والآجال ، ويعرفوا وقت الحج ، ووقت الزكاة ؛ طلبا للتخفيف والتيسير عليهم . ثم قال : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ جعل الأهلة كلها وقتا للحج . ولهذا قال أصحابنا : إنه يجوز الإحرام في الأوقات كلها ، على ما يجوز بقاء الإحرام في الأوقات كلها . وأما أفعال الحج : فإنها لا تجوز إلا في وقت فعل الحج ، وهو قوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [ البقرة : 197 ] ، فإنما هي على أفعال فيه ، دليله قوله : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [ البقرة : 197 ] ، ولا تفرض من الحج في غير الإحرام ؛ دل أنه عنى به أفعال الحج ، وقد جاء : أنه سمى الإحرام على الانفراد حجّا ، وسمى الطواف بالبيت حجّا ، والوقوف حجّا ، وقال : « الحج عرفة » « 2 » وسمى الذبح حجّا ، حيث قال : « أفضل الحج
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 2 / 485 ، 486 ) كتاب : المناسك ( الحج ) ، باب : من لم يدرك عرفة ، حديث ( 1949 ) ، والترمذي ( 3 / 237 ) كتاب : ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج ، حديث ( 889 ) ، والنسائي ( 5 / 256 ) كتاب : الحج ، باب : فرض الوقوف بعرفة ، وابن ماجة ( 2 / 1003 ) كتاب : المناسك ، باب : من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع ، حديث ( 3015 ) ، والطيالسي ( 1 / 220 ) كتاب : الحج والعمرة ، باب : وجوب الوقوف بعرفة وفضله ، والدعاء عن ذلك ، حديث ( 1056 ) ، وأحمد ( 4 / 335 ) ، والدارمي ( 2 / 59 ) كتاب : المناسك ، باب : بما يتم الحج ، وابن -