أبي منصور الماتريدي
41
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وروى عن عائشة « 1 » ، رضى الله تعالى عنها ، أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تسموا شهر رمضان رمضان ، فإنما هو اسم من أسماء الله تعالى . انسبوه إلى ما نسبه لكم القرآن » « 2 » . وقوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . أضاف عزّ وجل الفعل إلى الشهر بقوله : فَلْيَصُمْهُ ؛ فلذلك إذا قصد به صوم الشهر جائز الصوم وإن لم ينو الفرض سوى ما ذكرنا . وكذلك سائر الفرائض نحو الظهر والعصر ينوى ذلك ، فيكون ذلك على ما جعله الله من فرض وإن لم ينو الفرض . ولا قوة إلا بالله . وعلى ذلك من نوى بالصيام غير صيام الشهر جائز عن صيام الشهر ، لما أمرنا بصيام الشهر ولم نؤمر بأن نجعل ذلك لشئ سواه ، والشهر موجود لنفسه لا يحتاج صاحبه إلى أن يوجده كان من ذلك على كل حال . وكذلك كل حق معين في شئ لم يزل عنه نيته إلى غيره ؛ كمن يأمر إنسانا بشراء شئ بعينه لم يتحول عنه بالنية ، على أن ذلك كالظهر والعصر ونحو ذلك ؛ فيحال على تحقيق ذلك قصد غير ، وبعد فإن كلا يجمع ألا يجوز غير ؛ فثبت أن استحقاق الشهر بصومه لا يستحق عليه غيره من الصيام فجاز عنه . وعلى ذلك أجاز أبو حنيفة في السفر غيره ، من حيث أذن له في تأخير هذا ، أو غيره فرض عليه نحو صوم الظهار والقتل ، ولا رخصة له في تأخيره ، فجاز فيه ؛ إذ هو وقت صيام حول إلى وقت غيره ، فصار هذا الوقت بالحكم لغيره ، وليس كنية المتطوع ؛ لأنه في موضع الرخصة وفي العمل به وقد يكون له مقدار التطوع من الفضل على غيره فهو أولى به . ولما قد يجوز النفل بلا نية نفل ، فكأنه لم ينو النفل . فهو رجل لم يعمل برخصة الله بل عمل بوجه العزم . ولا قوة إلا بالله . وقوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . قيل « 3 » : تَتَّقُونَ الأكل والشرب والجماع . ويحتمل : تَتَّقُونَ المعاصي ؛ لأن النفس إذا جاعت شبعت عن جميع ما تهوى
--> ( 1 ) عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما التيمية ، أم عبد الله الفقيهة أم المؤمنين الربانية ، حبيبة النبي صلى اللّه عليه وسلم لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث قال عروة : ما رأيت أعلم بالشعر من عائشة . وقال القاسم : كانت تصوم الدهر . وقال هشام بن عروة : توفيت سنة سبع وخمسين . ودفنت بالبقيع . ينظر : الخلاصة : ( 3 / 387 ) ( 106 ) . ( 2 ) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي في سننه ( 4 / 201 ) ، والديلمي كما في الدر المنثور ( 1 / 334 ) عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا « لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله ولكن قولوا شهر رمضان » . ( 3 ) قاله السدى ، أخرجه ابن جرير عنه ( 2733 ) ، وانظر تفسير البغوي ( 1 / 149 ) ، والدر المنثور ( 1 / 323 ) .