أبي منصور الماتريدي
38
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والحبلى إذا خافت أن تضع ولدها ، والمرضع إذا خافت الفساد على ولدها » « 1 » ثبت أن الرخصة لما يخاف من فساد ينزل « 2 » . ولا قوة إلا بالله .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 5 / 29 ) ، وأبو داود ( 2 / 796 ، 797 ) كتاب : الصوم ، باب : اختيار الفطر ، الحديث ( 2408 ) ، والترمذي ( 2 / 109 ) كتاب : الصوم ، باب : الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع الحديث ( 711 ) ، وابن ماجة ( 1 / 533 ) كتاب : الصيام ، باب : الإفطار للحامل والمرضع ، الحديث ( 1667 ) ، والطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 1 / 423 ) كتاب : الصلاة ، باب : صلاة المسافر ، والبيهقي ( 3 / 154 ) كتاب : الصلاة ، باب : السفر في البحر كالسفر في البر ، كلهم من طريق عبد الله بن سوادة عن أنس بن مالك رجل من بنى عبد الله بن كعب ، قال : « أغارت علينا خيل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فوجدته يتغدى ، فقال : ادن فكل ، فقلت : إني صائم ، فقال : ادن أحدثك عن الصّوم ؛ أو الصيام ، إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ، وعن الحامل أو المرضع الصوم ؛ أو الصيام ، والله لقد قالهما النبي صلى اللّه عليه وسلم كلتيهما أو أحدهما ، فيا لهف نفسي ألا أكون طعمت من طعام النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال الترمذي : ( حديث حسن ، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد ) . ( 2 ) الفقهاء متفقون على أن الحامل والمرضع لهما أن تفطرا في رمضان ، بشرط أن تخافا على أنفسهما أو على ولدهما المرض أو زيادته ، أو الضرر أو الهلاك ، فالولد من الحامل بمنزلة عضو منها ؛ فالإشفاق عليه من ذلك كالإشفاق منه على بعض أعضائها . قال الدردير : ويجب - يعنى الفطر - إن خافتا هلاكا أو شديد أذى ، ويجوز إن خافتا عليه المرض أو زيادته . ونص الحنابلة على كراهة صومهما ، كالمريض . ودليل ترخيص الفطر لهما قوله تعالى : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وليس المراد من المرض صورته ، أو عين المرض ، فإن المريض الذي لا يضره الصوم ليس له أن يفطر ، فكان ذكر المرض كناية عن أمر يضر الصوم معه ، وهو معنى المرض ، وقد وجد هاهنا ، فيدخلان تحت رخصة الإفطار . وصرح المالكية بأن الحمل مرض حقيقة ، والرضاع في حكم المرض ، وليس مرضا حقيقة . وكذلك - من أدلة ترخيص الفطر لهما - حديث أنس بن مالك الكعبي - رضى الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام » ، وفي لفظ بعضهم : « عن الحبلى والمرضع » . وإطلاق لفظ الحامل يتناول - كما نص القليوبى - كل حمل ، ولو من زنّى ، وسواء أكانت المرضع أما للرضيع أم كانت مستأجرة لإرضاع غير ولدها ، في رمضان أو قبله ، فإن فطرها جائز ، على الظاهر عند الحنفية ، وعلى المعتمد عند الشافعية ، بل لو كانت متبرعة ولو مع وجود غيرها ، أو من زنى ، جاز لها الفطر مع الفدية . وقال بعض الحنفية ، كابن الكمال والبهنسى : تقيد المرضع بما إذا تعينت للإرضاع ، كالظئر بالعقد ، والأم بأن لم يأخذ ثدي غيرها ، أو كان الأب معسرا ؛ لأنه حينئذ واجب عليها ، لكن ظاهر الرواية خلافه ، وأن الإرضاع واجب على الأم ديانة مطلقا وإن لم تتعين ، وقضاء إذا كان الأب معسرا ، أو كان الولد لا يرضع من غيرها . وأما الظئر فلأنه واجب عليها بالعقد ، ولو كان العقد في رمضان ، خلافا لمن قيد الحل بالإجارة قبل رمضان ، كما قال بعض الشافعية - كالغزالى - : يقيد فطر المرضع ، بما إذا لم تكن مستأجرة لإرضاع غير ولدها ، أو لم تكن متبرعة ، لكن المعتمد المصحح عندهم خلافه ، قياسا على السفر فإنه يستوى في جواز الإفطار به من سافر لغرض نفسه ، وغرض غيره ، بأجرة وغيرها . ينظر : الشرح الكبير ( 1 / 536 ) ، جواهر الإكليل ( 1 / 153 ) ، البدائع ( 2 / 97 ) ، كشاف القناع ( 2 / 313 ) .