أبي منصور الماتريدي
371
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
آية ، ليس به معتبر في جواز قول قتيل آخر قبل الموت . وقوله : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ : يحتمل : بِكَلِمَةٍ مِنْهُ : أن قال : « كن » - فكان من غير أب ولا سبب ، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب : من النطفة ، ثم من العلقة ، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف - عزّ وجل - في كتابه « 1 » ، وكان أمر عيسى - عليه السلام - على خلاف ذلك . ويحتمل بِكَلِمَةٍ مِنْهُ : ما ذكر أنه كلم الناس في المهد : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ الآية [ مريم : 30 ] . وذلك مما خص به عيسى ، وهو بكلمة من اللّه قال ذلك . فإن قيل : ما معنى قوله : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ؛ والكهل : مما يكلم الناس ؟ قيل : لأن كلامه في المهد آية ، والآية لا تدوم ؛ كقوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ الآية [ النور : 24 ] ، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبدا ، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم ، ولا يكون إلا مرّة « 2 » . والثاني : أمن من اللّه لمريم ، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته ، واللّه أعلم . وقوله : اسْمُهُ الْمَسِيحُ . قال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : « المسيح : المبارك » ، أي : مسح بالبركة « 3 » . وقيل : سمى مسيحا ؛ لأنه كان يمسح عين الأعمى والأعور فيبصر « 4 » . وقيل : المسيح : العظيم ؛ لكنّه - واللّه أعلم - بلسانهم ؛ فيسأل : ما المسيح بلسانهم . وقوله : وَجِيهاً فِي الدُّنْيا : بالمنزلة ، ومكينا في الآخرة ، وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في الدرجة
--> - بالقياس عقلا ، وهو رأي النظّام والشيعة . ينظر : لسان العرب ( 5 / 3793 ) ( قيس ) ، نهاية السول للإسنوي ( 4 / 2 ) ، البحر المحيط للزركشي ( 5 / 5 ) ، الإبهاج لابن السبكي ( 3 / 3 ) ، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ( 4 / 2 ) . ( 1 ) قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 12 - 14 ] . ( 2 ) إذا كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش . ينظر : القرطبي ( 4 / 58 ) . وقد نقل القرطبي قول أبي العباس : كلّمهم في المهد حين برّأ أمّه فقال : إني عبد اللّه الآية [ مريم : 30 ] الآية وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله اللّه تعالى من السماء أنزله على صورة ابن ثلاثين سنة - وهو الكهل - فيقول لهم : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ كما قال في المهد . ( 3 ) أخرجه الطبري ( 6 / 414 ) ( 7066 ) عن سعيد بن جبير ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 45 ) وعزاه للطبري . وينظر : تفسير البغوي ( 1 / 301 ) ، وتفسير الرازي ( 8 / 44 ) . ( 4 ) ينظر : الوسيط ( 1 / 437 ) ، وتفسير الرازي ( 8 / 49 ) ، والبحر المحيط ( 2 / 460 ) ، وغرائب النيسابوري ( 3 / 198 ) .