أبي منصور الماتريدي

368

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ : هو ما ذكرنا من صفوتها ؛ إذ جعلها لعبادة نفسه خالصا ، أو ما قد ولدت من ولد من غير أب ، على خلاف سائر البشر . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال : « خطّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أربعة خطوط ، ثمّ قال : هل تدرون ما هذه ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : « أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة ، وفاطمة ، ومريم ، وآسية امرأة فرعون » « 1 » . وكذلك روى أنس - رضي اللّه عنه - عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد صلى اللّه عليه وسلم » « 2 » . وقوله : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ : يحتمل وجهين : الأمر بالقنوت : القيام ، ثم الأمر بالسجود ، أي : الصّلاة ، ثم الأمر بالركوع مع الراكعين ؛ وهو الصلاة بجماعة ؛ ففيه الأمر بالصلاة بالجماعة ، على ما هو علينا ؛ لأنه قال : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ وعلى ذلك روي في الخبر : أنه سئل عن أفضل الصّلاة ؟ فقال : « طول القنوت » « 3 » . ويحتمل أنه الأمر بالركوع ، ثم بالسجود ؛ فيدل أن السجود - وإن كان مقدما ذكره على الركوع - فإنه ليس في تقديم ذكر شيء على شيء ، ولا تأخير شيء عن شيء في الذكر دلالة وجوب الحكم كذلك . وقيل : القنوت : هو الخضوع والطاعة « 4 » ؛ كقوله : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [ البقرة : 238 ]

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( 3 / 160 ) من حديث ابن عباس وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 3 / 135 ) ، والترمذي ( 3878 ) ، وعبد الرزاق ( 20919 ) ، وأبو يعلى ( 3039 ) ، والطحاوي في « مشكل الآثار » ( 1 / 50 ) ، وابن حبان ( 6951 ، 7003 ) ، والحاكم ( 3 / 157 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 2 / 344 ) ، والبغوي في شرح السنة ( 7 / 230 ) من حديث أنس . وقال الترمذي : هذا حديث صحيح . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 1 / 520 ) كتاب صلاة المسافرين : باب أفضل الصلاة طول القنوت حديث ( 164 ، 165 - 756 ) والترمذي ( 387 ) ، وابن ماجة ( 1421 ) ، وأحمد ( 3 / 391 ) ، والحميدي ( 1276 ) ، والبيهقي ( 3 / 8 ) من حديث جابر . وقال الترمذي : حسن صحيح . ( 4 ) ورد هذا مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة » . أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ( 2 / 261 ) ( 531 ) من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري به . وإسناده ضعيف ؛ لضعف هذه الرواية . وقال ابن كثير ( 1 / 161 ) ورفع هذا الحديث منكر وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه .