أبي منصور الماتريدي
366
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ذلك ، ولعلهم يقدرون على الافتعال في البشارة ؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات اللّه على نبيّنا وعليه - لما نزل به الملائكة لم يعرفهم بالكلام وهابوه ، حتى قال : إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [ الحجر : 62 ] ، حتى قالوا : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ [ هود : 70 ] ، فذهب ذلك الروع منه بعد ما أخبروه أنهم ملائكة ، رسل اللّه ، أرسلهم إليه . وقوله : قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً قال بعض أهل التفسير « 1 » : حبس لسانه عقوبة له بقوله : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ لكن ذلك خطأ ، والوجه فيه : منعه من تكليم الناس ، ولم يمنعه عن الكلام في نفسه ؛ ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربّه ، ويسبّح بالعشى والإبكار ؛ كقوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ؟ ! . ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله ؛ إذ كان عن العلم بالولد في غير حينه ، فأراه بمنع اللسان عن النطق ، وأعلى أحوال الاحتمال ؛ ليكون آية للأوّل . وقيل في قوله : اجْعَلْ لِي آيَةً : أنه طلب آية ؛ لجهله بعلوق الولد ، وجعلها ليعرف متى يأتيها ؟ « 2 » . وقوله : إِلَّا رَمْزاً : قيل : الرّمز : هو تحريك الشفتين « 3 » . وقيل : هو الإيماء بشفتيه « 4 » . وقيل : هو الإشارة بالرأس « 5 » . وقيل : هو الإشارة باليد « 6 » ، واللّه أعلم بذلك « 7 » .
--> ( 1 ) ورد عن قتادة : أنه عوقب بذلك لأنه سأل الآية بعد ما شافهته الملائكة فبشرته بيحيى ، أخرجه الطبري ( 6 / 386 ) ( 7005 ، 7006 ) وابن أبي حاتم ( 2 / 252 ) ( 506 ) ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 40 ) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وعبد بن حميد ، وهذا القول قاله أكثر المفسرين كما في تفسير القرطبي ( 4 / 52 ) . ( 2 ) قاله أبو مسلم ، وينظر : « اللباب في علوم الكتاب » ( 5 / 209 ) . ( 3 ) أخرجه ابن أبي حاتم ( 2 / 253 ) ( 507 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 41 ) وعزاه إلى ابن أبي حاتم . ( 4 ) أخرجه الطبري ( 6 / 389 ) ( 7011 ، 7012 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 41 ) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد . ( 5 ) أخرجه الطبري ( 6 / 389 ) ( 7014 ) عن الضحاك ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 41 ) وعزاه للطبري . ( 6 ) أخرجه الطبري ( 6 / 389 ) ( 7015 ) عن ابن عباس . ( 7 ) قال السيوطي في « الإكليل » : في الآية الحث على ذكر اللّه - تعالى - وهو من شعب الإيمان . قال محمد بن كعب : لو رخص اللّه لأحد في ترك الذكر لرخص - زكريا ؛ لأنه منعه من الكلام وأمره -